يكاد تذكير الامم والشعوب بفضل الحضارة العربية الاسلامية على التطور الانساني بعامة, يشكل بنداً ثابتاً على اجندة الفكر العربي المعاصر, ولا يكتفي المثقفون العرب بذلك, بل انهم يحتفون بالاعمال التي تصدر عن آخرين في الاتجاه نفسه . في هذا السياق, تشغل الاسهامات الحضارية العربية بالمعنى التاريخي في مجالات العلوم والفنون والآداب حيزاً معتبراً, فيتم استحضار المداخلات العلمية الاشهر لاعلام هذه الحضارة ورموزها, كأن يشار الى اعمال ابن خلدون في التاريخ والعمران البشري, والرازي في الطب, والفارابي وابن رشد في الفلسفة, وابن حيان في الكيمياء والجبر, والادريسي والاصطخري في الجغرافيا.. وغيرهم عشرات ممن انتجتهم فيوض الاهتمام بالعلم التي ابرزتها عصور الازدهار العربي. ويحاول المذكرون بأيادي العرب انكار ان حضارتهم كانت في موقع المتلقي دوماً, كما يحاولون اثبات الريادة العربية في المجالات العلمية المذكورة, وتبدو هذه المحاولات اشبه بالدفاع عن النفس, لا سيما ضد الدعاوى الحضارية الغربية. ومن المعروف ان فكرة (المركزية الغربية) وادعاء السبق الحضاري الغربي في كل مناحي العلم, باتت منذ بضعة قرون واحدة من الافكار الثابتة التي يروج لها على نطاق واسع. توجه تدريجي والظاهر ان تاريخ العلم, كأي موضوع في التاريخ, يكتبه المنتصرون.. ولذلك فإن المزاحمة العربية للتعريف بالذات تلاقي صعوبة شديدة غير انها مع ذلك تشق طريقها بثبات وفي الوقت الراهن اضحى المعترفون بدور الحضارة العربية الاسلامية, الآخذون بالرأي القائل بأن عالم اليوم نتاج لاسهامات انسانية عامة وليس منتجاً غربياً بحتاً, يتزايدون باطراد واضح. اكثر من هذا الاعتراف المتنامي في دلالته المستقبلية, ان اصحابه في عالم الغرب, ينتقلون تدريجياً من الاشادة بجهود الآخرين العرب وحضارتهم بالمعنى التاريخي, نحو استشعار الحاجة الى استلهام هذه الجهود حاضراً ومستقبلاً. اي انهم يستبصرون وجود ايجابيات في الحوار مع الفكر العربي الاسلامي المعاصر ذاته. وينطوي هذا التوجه على اقرار بعدم قدرة الحضارة العربية, رغم تقدمها وسبقها الحالي, على الاكتفاء الذاتي, ونبذ مداخلات المنظومات الحضارية الاخرى وفي طليعتها المنظومة العربية الاسلامية. يتصور هؤلاء, عن حكمة وحصافة, ان لكل حضارة جذوة تظل متقدة في تضاعيف اصحابها, برغم التخلف العلمي الظاهري في لحظة تاريخية معينة, ويتصورون ايضاً ان التقدم والتخلف مفاهيم نسبية. . فقد يكون الغرب متقدماً على الصعيد التقني, لكنه يفتقد حتى في طوره المتقدم هذا, للكثير على صعيد القيم والمبادىء الحاكمة للسلوك, ومن هذا المنطلق تثور الحاجة الى الاعتماد المتبادل والحوار مع الآخرين, مهما كانت مواقعهم على سلم التقدم التقني. ولعل هذا التصور الذي يعبر عن اريحية فكرية احد العوامل المسؤولة عن نزوح شطر من الغرب الثقافي الى ظاهرة الحوار مع العالم العربي والاسلامي وهي ظاهرة تمنح المذكرين بفضل العرب وحضارتهم فرصة للانتقال بدورهم خطوات الى الامام... من دائرة التعريف باسهامات الماضي, الى دائرة التعريف بماذا يحملون هم وحضارتهم من وعود وعطاءات للحاضر والمستقبل. ان احداث التوازن بين هاتين الدائرتين, يعزز الحجة القائلة باستمرارية قدرة الحضارة العربية الاسلامية على التجدد والاستجابة للقضايا المؤرقة للبشرية عموماً. وليس من المجدي اذن الاستنامة والوقوف مطولاً عندما فات. فاذا لم تتمكن الثقافة العربية من طرح ذاتها وابراز مضامين تواكب قضايا الحاضر والمستقبل المتغيرة, فإنها تعلن عن مواتها, وهي في حقيقة الامر زاخرة ومشحونة بهذه الامكانية, نقول ذلك وفي الذهن ذلك الحشد الكبير من القيم والمثل التي تتمتع بثبات مدهش في قلب هذه الثقافة, والتي بوسعها عرض حلول ومخارج مأمونة لقضايا اشكالية مستعصية في الوقت الحاضر. وقد يبدو من الملفت حقاً, ذلك التعارض الملحوظ بين التخلف التقني من ناحية, وصمود عدد من القيم والمثل العليا في رحاب الثقافة العربية من ناحية اخرى ومن المؤكد ان احد اهم العوامل المؤدية الى هذه الظاهرة هو ثبات البعد الاسلامي المغذي لهذه الثقافة. رحابة أفق على سبيل المثال, تستطيع الثقافة العربية ازجاء خدمة جليلة للآخرين جميعاً, وعلى رأسهم الثقافة الغربية ذاتها, ان هي طرحت في الحوارات الحضارية الجارية متعددة الابعاد والعناوين, ما تنطوي عليه من قيم تتعلق بقضايا العلاقات الدولية وحقوق الانسان, فحين نتحدث عن هذه القضايا من الزاوية (النظرية) بخاصة, ندرك رحابة الافق الثقافي العربي الاسلامي في التعامل معها, ولفت الانتباه الى هذه الزاوية مهم في هذا الاطار, لان التطبيقات والممارسات العملية, قد تكون معيبة في السياسة العربية او الاسلامية, غير ان هذا العيب يطاول ايضاً ممارسات الآخرين في مرحلة او اخرى, وليست الحضارة الغربية مبرأة من هذا الادعاء, لا في الماضي ولا في الحاضر. فلنتأمل من هذا المنطلق ــ النظري ــ المثل التالية التي تتضمنها الثقافة العربية الاسلامية بشأن هذه القضايا: * فكرة ان الانسان مخلوق مكرم على اطلاق القول والزمان والمكان, بغض النظر عن اي اعتبار, تلك الفكرة التي تجب مفهوم الشعب المختار بالنسبة للنظرية وللممارسات الصهيونية, ومفهوم رسالة الرجل الابيض لدى الغرب. * فكرة المساواة بين الناس كأسنان المشط, وضرورة العدل بينهم في الحكم والتقاضي مهما بلغ شأن بعضهم. * فكرة صيانة العهود ومنع الاعتداء على المستأمنين من اية ملة كانوا. * فكرة صيانة الملكية المكتسبة بالجهد, بلا اضرار بين الناس. * فكرة اداء الواجبات باحسان, والتكافل الاجتماعي واجارة المسالمين واكرامهم (اللاجئون وتأمينهم من الخوف واطعامهم من الجوع..). * فكرة التعاون على البر والتقوى وليس على الاثم والعدوان, والتناجي لفعل الخير (وليس التحالف للبغي والعدوان). * فكرة عدم الاباحية والسفور المؤدي الى اجتلاب الشرور والاستهانة بالشرف والعرض وانتهاك حرمة الجسد لأي سبب كان, وعدم التلصص على عورات الناس (حماية الخصوصية). * فكرة التراحم العام بين الابوين والاولاد (حقوق الاسرة) وبين الكبار والصغار (حقوق كبار السن والطفل), وبين الرجل والمرأة (حقوق المرأة). * فكرة الجدال بالتي هي أحسن, والتي تناظر (الحوار الراقي) المفضي الى السلم والاستقرار بين الناس, وتنبذ الاكراه في كل المجالات. * فكرة الاحساس بالآخرين والاهتمام بأمرهم, بدءا من ذوي القربى والجيران وصولا الى عابري السبيل والذين لا حيله لهم للضرب في الأرض (حقوق العجزة والمعوقين). * فكرة طلب العلم والحض على العمل والكسب وعدم القعود, طالما توفرت الشروط والملكات (الحريات الفكرية وحرية البحث العلمي والعمل). تستطيع الثقافة العربية الدفع بهذه القيم والافكار وعشرات من صنوها, وهي بهذا الاداء إنما تدفع عن انسان العصر وحشة المنظورات المادية الجافة التي شيّأته ونزعت عنه صفات التفرد بالشفافية والروحانية, واحالته الى العزلة والانطوائية. * كاتب وباحث فلسطيني مقيم في القاهرة