لقد نأى ساطع الحصري بنفسه عن الخوض في خضم التيارات السياسية .. الامر الذي جعله بمنأى عن التصنيف من حيث الانتماء إلى هذا الفصيل أو إلى تلك الزمرة أو ذلك الفريق . شهدت القاهرة ـ أواخر الشهر الماضي ــ تجمعا عربيا ضم كوكبة من المفكرين والباحثين الذين قدموا من اقطار عربية شتى, ومن المشرق بالذات والتأم عقدهم على مدى يومين في جلسات صباحية ومسائية وكان محور اللقاء يحمل عنوانا يقول: (ساطع الحصري .. ثلاثون عاما على الرحيل) وبقدر ما كان العنوان حفيا بالرجل فقد جاء مفتقرا إلى الدقة, ولعلها عادة عروبية للاسف, إذ ان ساطع الحصري كان قد رحل عن دنيا الاحياء في عام 1968 ومن ثم فقد زادت الاعوام إلى واحد وثلاثين. ونظن ان احياء ذكرى ساطع الحصري جاءت مؤشرا بليغا وان كان متواضعا, وبالغ الدلالة وان كان خافت الصوت وسط زعيق الصخب والبهرجة وفي غمار الانشغالات العربية الشديدة الغرابة والفهاهة ايضا, تلك التي تتراوح بين اجتماعات الذواقة الدوليين, ذواقة الطعام المسبوك وغير المسبوك, وبين تنظيم مسابقات تفرد لها مساحات بغير حدود من اهتمامات الاعلام العربي من اجل اختيار ملكة الجمال, التي سوف تمثل العروبة ولا فخر, في مسابقة ملكة جمال الكون, أو اجمل جميلات العولمة ان اجزت التعبير. ورقات وبحوث وسط هذه الزيطة, تنادى هؤلاء النفر المتواضعون من الباحثين والمفكرين إلى حوارات واحاديث, وإلى ورقات بحث وتعقيبات حول ساطع الحصري, داعية القومية العربية وابرز من عملوا في ساحتها لدرجة ان كرس الرجل اهم شطر من حياته المديدة لاغناء عمليات البلورة والاستيضاح والتنظير للوجود القومي العربي مدافعا عنه بكل ما كان يملكه الحصري ضد نوازع القطرية الضيقة واهواء الشعوبية البغيضة ناهيك عن الدعوات الشديدة الجموح التي نبغت بين صفوفنا منذ الربع الاول من القرن من اجل الالتحاق أو الالحاق بأوروبا المتوسطية وغير المتوسطية, دع عنك الدعوات التي ما برح رنينها ــ هل نقول زعيقها ــ يتردد بين ظهراني الجماعة القومية العربية وتقول نعم لافريقيا, لا للعروبة وكأن الخيار مطروح, هكذا ببساطة بين ثوب نرتديه وآخر ننضوه عن اجسامنا وقد نعيد الكرة مرة اخرى بين ثياب وثياب تحت ضغط الحوادث, وبفعل عوامل اليأس ودواعي الاحباط. كان يملك قلما والحاصل ان ساطع الحصري لم يكن يملك في معاركه كلها سوى قلم يكتب به وفكر مرتب بفعل دراسته الاولى لعلوم الرياضيات والاحصاء وفوق هذا كله كان يملك تلك الرؤية ذات البصيرة البالغة العمق والاتساع التي لا تتأتى سوى لذوي الهمم العالية واصحاب العزمات الذين ينطلقون في دعاواهم من وعي حاد بالتاريخ وثقة وطنية وموضوعية في المستقبل ومن عجب ان حياة الحصري الذي ولد ونشأ خلال العقدين الاخيرين من القرن الماضي قد بدأت بما اسماه مؤرخوه بـ (المرحلة العثمانية) اجل ولد العم ساطع عثمانيا بحكم الجنسية أو التابعية كما كانوا يسمونها في تلك الايام حيث كان السلطان العثماني عبدالحميد خان في تلك الايام, يحمل لقب المتبوع الاعظم ضمن ما كان ينوء به اسمه من وقر القاب التفخيم وشارات التعظيم والتبجيل وقد كانت في معظمها قد اصبحت القاب مملكة في غير موضعها حيث كان السلطان يطلع على الناس ــ رعاياه بالتراث ــ في اهاب الباد شاه أو ملك الملوك, فيما كانت ترتعد فرائصه أو تكاد حين يلقاه سفير بريطانيا مثلا, فيسمع منه ما يسوء من ضياع املاك (الدولة العلية) في هذا الركن أو ذاك من البلقان أو من استشراء نفوذ الدول الاوروبية الكبرى بفعل امتيازاتها التي تؤذن بضعف شوكة الدولة العثمانية وتشير إلى نهايتها التي كانت محتومة في عام 1923. على ان المرحلة العثمانية في حياة الحصري ما لبثت ان اسلمت نفسها إلى المرحلة العروبية التي تحول اليها فكر الاستاذ ساطع واستثمر فيها كل ما وعاه تكوينه الفكري إلى أن اتيحت له الفرصة التاريخية مع انشاء دولة العراق الحديث في عقد العشرينات لكي يشارك في ذلك التأسيس مترجما في ذلك دعوته إلى تكريس الوجود القومي العربي على اساس عاملين جوهريين هما: (1) وحدة اللغة (2) وحدة التاريخ صحيح ان سبقت دعوة الحصري إلى العروبة المحدثة ـ دعوات اخرى إلى وعي الوجود القومي لامتنا, منها مثلا اشارة ابراهيم باشا, ابن محمد علي إلى العرب وتأكيد انتمائه اليهم وقد لوحته شمسهم وشاركهم وحدة مصيرهم وآمال مستقبلهم وصحيح ان ارتفعت دعوات في مصر العرابية وخاصة في اوساط الفارس السياسي الشاعر محمود سامي البارودي, تتعلق بكيان قومي عربي, وصحيح ان نضجت هذه الدعوة العروبية, في افكار وكتابات المفكر السوري الكبير عبدالرحمن الكواكبي لكن (الفكرة العربية) ما لبثت عند ساطع الحصري ان وجدت العقل المستوعب الكفيل ببلورتها إلى مستوى نظرية عربية في الوجود القومي وحظيت عند الحصري ايضا بعاملين هما في رأينا في مقدمة عوامل هذا النضج والبلورة والتنظير. 1ــ فرصة التطبيق العملي. 2ــ عزل الفكرة القومية العربية, أو بالادق النأي بها عن غمار ومماحكات السياسة اليومية والمصالح المادية الآنية أو المباشرة. بين التربية والقومية فيما يتصل بالعامل الاول, اتيح لساطع الحصري ان يترجم بعضا من طروحاته, وخاصة في مجال التوعية القومية حين عمل مديرا للمعارف (التربية والتعليم) في عراق, فيصل الاول على مدى العقد العشريني من هذا القرن, وقد اثمرت دعواته هذه وخاصة بالنسبة لجهود اشراب الناشئة المتعلمة من الطلاب قيم العروبة ومثل النزوع القومي وهم بعد في مرحلة البزوغ وفترة الطلب وطور التكوين وفيما يتصل بالعامل الثاني, وهذا ما لاحظته في لماحية الدرس المتعمق الندوة التي اشرنا اليها في مفتتح هذا الحديث, فقد نأى ساطع الحصري بنفسه عن الخوض في خضم التيارات السياسية أو التعاطي مع التشكيلات الحزبية طيلة حياته الطويلة, الامر الذي جعله بمنأى عن التصنيف من حيث الانتماء إلى هذا الفصيل أو إلى تلك الزمرة أو ذاك الفريق, وهو ما ارتفع به بدوره عن الانغماس في لعبة السياسة بكل اغراءاتها, وقد ترفع الرجل عنها, أو بكل مغارمها ولم تتحمل سيرة الحصري ضراثيها, اللهم الا حين عدوه من انصار حركة السيد رشيد عالي الكيلاني التي قامت بانتفاضتها الشهيرة في العراق عام 1941 في مواجهة النفوذ الاستعماري الانجليزي. من هنا فنحن لا نكاد نعرف الكثير عن ساطع الحصري السياسي فيما نعرف الكثير المستفيض عن ساطع الحصري داعية القومية, مفكر العروبة, استاذ العلوم التربوية, وايضا الكاتب الذي لا يكتفي ببسط الافكار واستعراض النظريات بل هو يدخل في سجالات ونزالات يخوض فيها معارك فكرية (وكأنما وفر نفسه وجهده واعز مالديه, فكره وقلمه, عندما عزف عن خوض الساحات السياسية الحزبية), ومن ثم كانت معاركه الفكرية ومساجلاته العلمية مع اعلام كبار مثل طه حسين أو سلامة موسى معارك فيها الكثير من حمية الايمان وحماسة الداعية لكن في اطار من تعفف القلم وآداب الحوار بغير تجريح أو ازراء او ترهيب. المدرسة الالمانية.. لماذا؟ من حيث تكوينه تأثر ساطع الحصري بالمدرسة الالمانية في الفكر القومي.. وكان امثاله من دعاة العروبة الاوائل من المعجبين بالمانيا حتى ان آمالهم انعقدت حول عراق الملك فيصل الاول بتوجهاته العروبية مما جعلهم يطلقون على عراق ذلك الزمان وصف (بروسيا العرب) بمعنى الاقليم القاعدة الذي يمكن ان يشكل منطلقا صلبا لترجمة الوجود القومي لامة العرب الى حقيقة سياسية ومؤسسية واقعة. كان هذا النزوع الى الاعجاب بالالمان عند رجال كبار من امثال عزيز علي (المصري) ورشيد عالي الكيلاني (العراقي) ورفيق العظم (السوري) وساطع الحصري (العثماني سابقا) .. وزاد من توهج هذا النزوع ان الالمان لم يكن لهم سجل سابق في استعمار و استغلال الوطن العربي على نحو ما هو الحال عند الانجليز او الفرنسيين او حتى الاسبان والايطاليين بل والبرتغاليين, ولكل من هؤلاء ثارات تاريخية مع ابناء الامة العربية ارضها ومواردها ومصائرها ومستقبلها في المشرق والمغرب من الوطن الكبير. ثم ان الحصري اطل على تراث الفكر القومي الالماني من منظور التعاطف المشترك ـ ها هو يقرأ افكار الفيلسوف (هيردر) الذي كان يبشر بأمة المانية تقوم على انقاض شتات جرماني مقسم الى دويلات ودوقيات وايالات وولايات ويطالع تعليم المفكر فخته) ويتعاطف معه اذ وجه دراساته الشهيرة بعنوان (رسائل الى الامة الالمانية) بعد نكسة هزيمة الجيوش الالمانية في معركة (يينا) الشهيرة امام جحافل نابليون في السنوات الاولى من القرن التاسع عشر. ابو خلدون (ساطع الحصري) والالماني فخته جمعت بينهما كما قد تتصور قاعدة ان المصائب يجمعن المصابين كما يقول احمد شوقي ومن ثم تشابه الخطابات في التوجه القومي عند المفكر ـ الداعية العربي وكذلك عند المفكر ـ الفيلسوف الالماني. وجاء هذا التشابه على جسر تكريس اللغة ـ الالمانية عند فخته والعربية بالطبع عند ساطع الحصري.. وكلاهما جعل اللغة هي اس الوجود القومي لأمته وهي جوهر هذا الوجود من حيث صلة لغة الامة بتاريخها ومن حيث ان اللغة هي كما عبر الفيلسوف الالماني في (رسائل الى الامة الالمانية) وكما عبر الاستاذ الحصري في (آراء واحاديث في القومية العربية) وهو كتابه الجامع الحافل ليست مجرد الفاظ او كلمات ـ ولكنها بالدرجة الاولى هي الوعاء الذي يحفظ تراث الامة ويصون ابداعات ابنائها ويؤدي باقتدار وامتياز الى نقل هذا التراث الابداعي من جيل الى جيل محققا بذلك اهم عنصر في الوجود القومي لامة ما وهو عنصر الانتماء في اطار من الاستمرار. سنوات القاهرة عاش ساطع الحصري في سورية وفي العراق ولكنه اختار ان يعيش ردحا طويلا من سنواته الاخيرة في القاهرة وكم كانت القاهرة قريبة من قلبه, اثيرة الى وجدانه, لا بحكم العواطف وهي امر جائز اصلا ولا غبار عليه, ولكن بحكم ايمانه العميق ودعوته بغير هواده, وفي اصرار جليل وجسور الى ان تنهض مصر بتبعاتها امام امتها وامام التاريخ حيث آمن ساطع الحصري بأن مسؤولية مصر هي ان تكون قاعدة العروبة في زماننا وان تقوم بدور حادي المسيرة والحادي عليها وهي بذلك الثقة ذاتها فيما تمد الوجود القومي العربي باسباب القوة بفعل حجمها السكاني وميراثها الحضاري, وكم كان الحصري سعيدا ان اختار جيل الاربعينات القاهرة عاصمة للجامعة العربية ثم اختيار جيل الخمسينات وكان رمزه الوثاب آنئذ هو جمال عبدالناصر ـ اعلان انتمائه العربي وترجمة هذا الانتماء الى نضال سياسي ودعم كفاحي شمل احداثا عربية كبارا وجساما ظل ابو خلدون يرصدها ويسعد ولا شك بها ما بين استقلال المغرب الى ملحمة الجزائر وما بين وحدة مصر وسورية الى التغيير الثوري في اليمن الكبير. لقاء مع الحصري قيض لنا ــ كاتب السطور ــ ان نلتقي بالاستاذ ساطع الحصري في فندقه الشديد التواضع فيما يلي من ميدان التحرير في وسط القاهرة ـ كان ذلك في سنواته الاخيرة ورغم ثقل السنين التي زادت على الثمانين بل ورغم لكنة في نطق العربية (!) ربما ترسبت منذ ايام النشأة العثمانية ـ التركية الاولى ـ رغم هذا كله فقد احس الشاب المصري وهو امام الشيخ اليعربي الجليل ان ثمة شعلة ما برحت متقدة بين جوانح (ابي خلدون) وانها تتقد مثل حجر الحطب وئيدة تكاد تومض نارها المقدسة وسط خلل رماد الوهن وركام نكسة حزيران التي كان جرحها وقتئذ مفتوحا وطريا وموجعا الى حد بعيد بعيد. ثم ها هو الشاب يكتهل وينوء بدوره بأحمال السنين وتلك التجارب ـ يعود فيلتقي بسيرة الاستاذ الكبير ـ مع كوكبة من انجح المفكرين والمح الباحثين عبر يومين كاملين في الصباح وفي المساء. وعندما اظلتنا في الجلسة المسائية الاخيرة قاعة مدرج ساطع الحصري في معهد الدراسات والبحوث العربية وهو غيض باق وكريم من فيض الاستاذ ساطع الذي كان له فضل انشائه في الخمسينات تحت اسمه القديم العتيد (معهد الدراسات العربية العالمية) ومقره جاردن سيتي بالقاهرة وكان المبنى ـ وياللمصادفة التاريخية ـ مقرا في السابق لقيادة الشرق الاوسط البريطانية ايام الحرب العالمية الثانية ـ عندما اجتمعنا في تلك القاعة, تصفحت الوجوه. ها نحن بازاء اعلام كبار في الفكر والثقافة العربية المعاصرة: عبدالعزيز الدوري من العراق ويحيى الجمل ويونان لبيب رزق من مصر وخيرية قاسمية من فلسطين وعبدالله عبدالدائم من سورية,, وكلهم مسبحة مضيئة الحبات من المفكرين والباحثين اجتمعوا وانفضوا ولم يكد يسمع بهم احد .. فلم يكن بينهم لاعب كرة او نجم شباك سينما او مجموعة من نجوم آخر الزمن ممن يحملون اللقب المثير الجديد المثير لقب رجال الاعمال.. ولابأس ـ كان حسبهم ان يزجوا تحية بالدرس والبحث الى ذكرى استاذ رائد ومفكر جليل اسمه ساطع الحصري.