جاء قرار سمو أمير الكويت والذي يضمن للمرأة الكويتية حق الترشيح والانتخاب في وقته من حيث اعطاء زخم متكامل للتجربة الديمقراطية الكويتية, وقد انتقل الخبر بأسرع من البرق, وبالنسبة لاغلبية الناس ان لم يكن جميعهم لقد حدث ما لم يكن متوقعا وتم اقرار ما توقع أغلبنا انه لن يتم إلا بعد جهود كبيرة وسنوات طويلة. لقد أخذت هذه الخطوة الكثير منا بالمفاجأة وذلك لمعرفتنا بطبيعة الحملة التي تقوم بها القوى المعارضة لحقوق ودور المرأة اضافة لطبيعة التعقيدات التي واجهت مجرد الاقتراح باقرار حقوق المرأة في السابق. خطوة الأمير تستحق لقب الخطوة (الأميرية) بمعنى انها تعكس رؤية بعيدة الأمد وتصورا أوضح لبلد حضاري تقوم اسسه على دور كل من المرأة والرجل في اطار المساواة في الواجبات والحقوق, لقد اثبت سموه عن رؤية كانت دائمة تعبر عن طبيعته التي تتميز بالمقدرة على الاستماع والتفكير العميق قبل أخذ القرار. في هذا يتمتع الأمير بحلم كبير واتزان سياسي متميز قادر على معرفة توازنات المجتمع وامكانيات التغير وحدودها. لقد سمح له هذا بأخذ قرارين تاريخيين في فترة قريبة: حل مجلس الأمة حلا قانونيا ودستوريا يضمن انتخابات مبكرة أي يضمن استمرار التجربة الديمقراطية بكل ابعادها واعطاء المرأة حق الترشيح والانتخابات. هكذا بقرار واحد انتهى الأمر الذي طال انتظاره, فالمرأة الكويتية التي تمثل ما يقارب 70% من طلبة جامعة الكويت, والتي تمثل ما يقارب 40% من قوة العمل الكويتية وهي النصف الثاني من المجتمع والذي لعب دورا لا ينسى في فترة الغزو العراقي, ستكون قوة كبيرة تضاف الى قوى المجتمع الكويتي فمن المعروف ان النساء في المجتمع الأوسع يمثلن قوة عقلانية وقوة جادة تميزت علميا واستثمرت (نتيجة ظروفها الاسرية والتي تحد من حرياتها نسبة للرجل) في عقلها على مدى العقود الماضية. وتؤكد أكثر الابحاث العلمية حداثة ان المرأة أكثر عقلانية وأقل طيشا واستعدادا للتطرف من الرجل, وهي بطبيعتها أكثر تطورا في مجال الاستعداد اللغوى والحسابي والعقلاني هكذا في يوم واحد, وهذا دليل على قوة التغيير الموجودة في المجتمع وفي المؤسسة الرسمية, انتقلنا من حالة حرمان المرأة من حق الترشيح والانتخاب الى حالة ممارسة هذا الحق مع ما يترتب عليه من تغيرات واثار. وبقرار واحد سقط المنطق الذي يقول بعدم أهلية المرأة وانه لا يحق لها ان تصوت أو تترشح لأسباب اسلامية دينية, ففي جميع الدول الاسلامية ذات البعد الديمقراطي تصوت المرأة ولديها الحق في الترشح, كما ان ايران التي بدأت أول ثورة اسلامية في المنطقة نموذج واضح في هذا الشأن.. وقد يتبارز الناس الان بين مؤيد ومعارض, ولكن الاهم ان الامر قد تم, وان المسألة ستكون امام مجلس الأمة المقبل الذي نأمل يكون أكثر انفتاحا على هذا الحدث بل أكثر استعدادا للسير في طريق الحقوق الديمقراطية, بل نأمل أن يسعى المجلس المقبل لتحويل سن الانتخاب من 21 عاما الى 18 عاما. ومع ذلك فهناك مخاطر على حقوق المرأة, ومن الضروري ان تؤخذ بعين الاعتبار من الان, اذ يحق لمجلس الأمة ان ينقض قرار الأمير في حالة تأمين ثلثي الأصوات في المجلس, ويحق له ان ينقض نفس القرار اذا فشل في تحقيق الثلثين في دور انعقاد ثان أي في العام الذي يليه, ومع ذلك ونظرا لقيمة الحدث وعمقه لن يكون من السهل تبني النواب لقرار النقض, لانه سيعرض من يتبنى فكرة سحب حق الانتخاب والترشيح لخسارة أصوات النساء في المستقبل. وبطبيعة الحال ستفرض المرأة الكويتية جدولها على انتخابات عام ,2003 فالمرشح الذي لا يريد التحدث للمرأة لن يترشح أو سيجد صعوبة بالغة في الفوز, والمرشح الذي يريد أصوات المرأة سوف يبحث عن طرق عديدة للتحدث للمرأة ولكسب أصواتها, هكذا سنجد أن المرشحين والمرشحات سيحرصون على كسب أصوات المرأة (اضافة للرجل) من خلال تبني قضايا تهمها. وستكون أولويات المرأة واضحة في مجال تحقيق تعليم أفضل للابناء, وصحة أفضل للاسرة, المرأة واضحة في مجال تحقيق تعليم أفضل للابناء, وصحة أفضل للاسرة. المرأة ستشجع الاستثمار في المستقبل وسوف تتحول لقوة تسعى للارتفاع فوق التناقضات السطحية التي حكمت مجلسي الأمة عامي 1992 و,1996 ولكن المرأة سوف تنجح ايضا في طرح تصوراتها وحقوقها على صعيد الأحوال الشخصية وعلى صعيد المساواة في العمل والارتقاء والتعليم وغيرها. ولكن بنفس الوقت على المرأة وخاصة الجمعيات النسائية الكثير من المسؤولية في المرحلة المقبلة, المسؤولية الأولى مرتبطة بضرورة ترتيب آلية منظمة تسمح للجمعيات النسائية بلعب دور ايجابي في رفع الوعي النسائي في الشؤون الانتخابية وكيفية الاختيار والوعي بالقضايا الرئيسية التي تتحكم بالمرحلة والتي تعني المرأة كما تعني المجتمع الاوسع. ان تأخذ المرأة حقها في الانتخاب هو مجرد مرحلة, وان ترتقى لمستوى الحدث هو أمر آخر يتطلب الكثير من العمل.. بمعنى آخر ان ادخال المرأة, وهنا نتحدث على المستوى الشعبي, يتطلب الكثير من الاستعداد والتوعية التي تضمن ان تختار المرأة خيارا واعيا لا خيارا أسريا أو قبليا يفرض عليها. على المرأة ان تفكر بالسياسة كما يفكر فيها الرجل وان تنتخب بناء على ما ترى وتسمع لا بناء على ما يقال لها.. الوصول الى هذا الشأن يتطلب عملا كبيرا من قبل الجمعيات النسائية والقوى السياسية التي تعي أهمية هذا الأمر. مرة ثانية: هنيئا للمرأة, وهنيئا لكل من يرى ان المستقبل هو لمجتمع حضاري يقوم على التقدم والمساواة والحقوق. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت