في اواخر الستينات ظهر في ادبيات السياسة مصطلح (الدولة الرخوة) وهو اسم يستخدم تحديدا للاشارة الى استعداد معظم حكومات الدول النامية للفساد, ولتجاهل القانون ولتغليب المصالح الفئوية الفردية على المصلحة العامة, وهذا تحديدا ما يحدث اليوم مع تيار العولمة, الذي يحتاج الى دول من هذا النوع ليتمدد في كل المسامات والفراغات دون رادع . فهل هذا الخوف الذي يبديه البعض حيال العولمة, خوف حقيقي, ام مجرد تظاهرة مطلوب من الاعلام, واساتذة الجامعات ورجال الدين, والمثقفين القيام بها من قبيل الواجب وذرا للرماد في العيون؟ اعتقد ايضا ان السؤال الاكثر اهمية هو: من هم الخائفون من العولمة؟ ومن هم المهللون لها؟ ان التيار المهلل للعولمة يدعي انها عملية (تحرر) من مختلف صور الاستعباد في كافة مستويات المنظومة الحضارية القيمية والمادية لاية امة. اما الخائفون, فيرون ان هذا الاعتقاد محض خرافة, وان الاخطار اكبر من التصورات. ما الذي يجري عولمته على وجه الدقة؟ ومن الذي يقوم بهذه العولمة؟ معروف ان العولمة هي فرض نمط معين من الحياة على الجميع, اداتها الاساسية هي الشركات العملاقة متعددة الجنسيات التي تمارس هذه المهمة بكفاءة عالية, تشهد بها محلات الاطعمة السريعة المنتشرة في طول البلاد وعرضها وشبكة المصارف, وشركات الائتمان والتأمين ومقاهي الارصفة, ومحطات التلفزة و... الخ. وهنالك مفارقة, او مطب من نوع ما ازاء العولمة نلاحظه جميعا, فنحن نمارسها ونهاجمها في الوقت نفسه, لماذا؟ ربما لاننا لانفهمها حقيقة, او لاننا نخشى الوقوف في وجهها (ضعفا او انبهارا فالامر سيان) وربما لانها الحقيقة او البديل الوحيد الاكثر قبولا وسطوة على امزجة البشر, وفي النهاية هناك موقف غامض من العولمة يتأرجح بين الخوف والقبول, وهذا شأننا في كل امور الحياة, نتأرجح بخوف وتردد حتى نسقط في النهاية الى حيث لاندري! ان الذي يجري عولمته ليس الا سلعا او خدمات بعينها ــ كما يقول د. جلال امين ــ سلع ذات طبيعة وخصائص معينة, افرزتها ثقافة بعينها, وليس هناك اي التزام قانوني او ديني او خلقي او فني يجبرنا على قبول هذه السلع والخدمات والثقافة بالذات. ان شبكة الهيمنة الثقافية الامريكية على العالم, والتي تتجلى في القوة الاقتصادية والتكنولوجية لشركات انتاج الثقافة الامريكية تسهم في نشر وتكريس العولمة, ويكفي ان نعرف انه في عام 1997 تجاوز ما صدرته الولايات المتحدة للخارج من الانتاج الثقافي والفني ما قيمته (60) مليار دولار يشتمل على الافلام السينمائية, والاعمال التلفزيونية, والادب المقروء والمسموع والموسيقى. في عالمنا اليوم صار حتما ان نقتنع (عمليا) بأن السلع الافضل والمتاحة للجميع بسهولة وعدالة تتمثل في الهامبورجر, والكوكاكولا والمحطات الفضائية والدش وافلام هوليوود ووسائل الترفيه الغربية والعلاقات الاسرية والتنظيم السياسي الليبرالي والاقتصاد الحر والثقافة الامريكية.... الخ. فهل حقا ليس هناك سلع وخدمات يمكن للعقل توليدها واختراعها في موازاة هذه السلع, بحيث تتناسب مع منظومتنا الحضارية؟ ام اننا اقتنعنا بشكل نهائي بأن هذه هي الافضل؟ اذا اقتنعنا فهذا هو الاعتراف الاخير الذي علينا ان نعلنه بصوت مسموع جدا وبلا خجل, واذا لم نقتنع فإن المطلوب هو ايجاد بديل مقنع.. ولا شيء غير ذلك.