لم تكتف الحكومة السودانية بالسماح للرئيس الأسبق جعفر نميري بالعودة إلى الوطن, بل جعلت من أمر عودته مناسبة (وطنية) ترقى إلى جدارة الاحتفاء الرسمي , وأكثر من ذلك وأهم منه أنها أغلقت كل منفذ يمكن ان يؤدي إلى تقديمه إلى محاكمة قضائية, ومع ذلك هناك سؤال سياسي أكثر منه قانوني, هل هناك حزب سياسي سوداني واحد تتوافر لديه جسارة لرفع دعوى ضد الدكتاتور السابق لو ان النظام الراهن أتاح المجال لمحاكمته؟ أشك في ان تكون الاجابة على هذا السؤال الكبير بالايجاب فالاحزاب السياسية كافة, من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين وعلى مدى ألوان الطيف كلها, تعاونت مع عهد نميري الاستبدادي في مرحلة أو أخرى من مراحله التي تفاوتت وتعددت لمدى 16 عاما من عام 1969 إلى عام 1985. كان آخر مستشاري الرئيس نميري الدكتور حسن الترابي زعيم حزب الجبهة القومية الاسلامية, قبل ان يغضب عليها نميري قبيل الانتفاضة الشعبية عام 1985 ويضع قادتها بمن فيهم د. الترابي في السجن. وقبل الترابي كان هناك الصادق المهدي رئيس (حزب الأمة) وزعيم طائفة (الأنصار) حين عقد الحزب باتفاق مع (الجبهة القومية الاسلامية) في عام 1977 مصالحة مع نظام نميري لم تفلح إلا في اطالة العمر الافتراضي للنظام. وكان هناك الدكتور منصور خالد (المستشار السياسي) لحركة قرنق حاليا, فقد كان ابان السبعينات مستشار الرئيس نميري للشؤون الخارجية ومساعد رئيس الجمهورية,وقبلها كان وزير خارجية النظام. وقبل هؤلاء جميعا كان الشيوعيون انشق ثلاثة قياديين منهم على رأسهم فاروق أبوعيسى عن الحزب الشيوعي, وباسم الحزب تحالفوا مع نميري, مساعدين ومستشارين فكانت ابلغ انجازاتهم معاونة أجهزة الأمن على تدمير الحزب من أجل تثبيت قدم الدكتاتور في السلطة. كل من هؤلاء خدم مرحلة ما من مراحل النظام,ولم يشذ عن هذه القاعدة الا (الحزب الاتحادي الديمقراطي) , فقد خدم مراحل النظام كلها (من طأطأ للسلام عليكم) , كان محمد عثمان الميرغني يدا يمنى لنميري على طول الخط,وبهذه الصفة كان عضو المكتب التنفيذي (أي المكتب السياسي) لتنظيم (الاتحاد الاشتراكي السوداني لآخر لحظة إلى ان اندلعت انتفاضة 85 التي أطاحت بالنظام. من يجرؤ إذن على تقديم جعفر نميري الى المحاكمة على ما اقترف من أعمال بحق الشعب السوداني لمدى 16 سنة عبر سياساته وممارساته؟ ان كل قرار كبير اتخذه نميري في مرحلة ما من مراحل عهده الطويل لابد ان يكون مرتبطا بقطب ما من أقطاب السياسيين المذكورين سواء بالمبادرة أو المشاركة أو ابداء النصح أو التواطؤ أو التنفيذ سواء تطوعا أو انحناء لأمر قسري. ثم ان هناك سؤال آخر, لمدى 14 سنة بعد سقوطه ظل نميري مقيما في القاهرة يتجول في الأسواق دون ان تسعى هذه القيادات السياسية إلى المطالبة به بصورة جادة, وبصفتها لم يصدر عنها حتى مجرد احتجاج لفظي وكأن نميري ليس موجودا. أجل, لقد بذل الصادق المهدي كرئيس حكومة جهدا خلال الفترة الحزبية بين عامي 1986 و 1989 لاستعادة نميري إلى السودان ليواجه محاكمة لكنه كان جهد من يقدم رجلا ويؤخر أخرى, وبسبب هذا التردد شددت الحكومة المصرية من رفضها لتسليم نميري, ولاحباط هذا الرفض كان متاحا لرئيس الوزراء السوداني ان يرد بتشدد أقوى, كأن يلوح بقطع العلاقات الدبلوماسية مثلا. على ان من الانصاف ان نسجل ايضا ان ما قلل من حماسة الصادق المهدي حينذاك رفض حليفه في الائتلاف الحكومي محمد عثمان الميرغني رئيس (الحزب الاتحادي الديمقراطي) وزعيم طائفة (الختمية) أي مسعى لمحاكمة نميري رفضا مبدئيا ونهائيا * كاتب صحفي وسفير سوداني سابق