يفترض ان تكون العلاقة بين وزارة التربية والتعليم وكلية التربية بجامعة الامارات علاقة نموذجية في التنسيق والتعاون يحتذى بها من قبل باقي الكليات ومؤسسات المجتمع , ذلك لان بينهما ارتباطا فريدا فطلبة كلية التربية هم خريجو المدارس الثانوية وخريجو كلية التربية هم معلمو المدارس الحكومية. والراصد للحالة التربوية في الدولة يجد ان التنسيق القائم بين الوزارة والكلية لا يرقى الى مستوى الارتباط الفعلي. وان طبيعة الارتباط تتيح الفرصة لتمكين كل طرق الاستفادة من الآخر لرفع كفاءته شريطة ان ينشأ بينهما تنسيق فعال. التنسيق بين الطرفين يمكن ان يكون في مجالات منها: سياسة القبول في الكلية, متطلبات الدراسة, الابحاث التربوية, التدريب والتأهيل, الدراسات العليا, الاستشارات التربوية. ان سياسة القبول المتبعة في كلية التربية تضع الوزارة احيانا في احراج مع المرشحين للتدريس. فالكلية تنظر الى رغبة الطالب ومعدله في الشهادة الثانوية او معدله التراكمي عند التحاقه بها لكن للاسف لا تضع في عين الاعتبار مدى ملائمة سماته الشخصية لمهنة التدريس, ممايجعل الوزارة تضطر الى رفض طلبه بعد اجراء المقابلة الشخصية له. ولا أزعم هنا أن الكلية يمكنها دراسة تحليلية لشخصية كل المتقدمين لها, لكن توجيه الطالب مهنيا قبل التحاقه رسميا بالكلية يقلل من اعداد خريجي الكلية ممن لا تتناسب سماتهم الشخصية للعمل في مهنة التدريس, وارى انه لو وجدت قناة بين الكلية والوزارة توفر التغذية الراجعة العلمية وبصورة مستمرة عن مستويات خريجي كلية التربية الذين يلتحقون بمهنة التدريس لتحسنت مخرجات كلية التربية التي تصب في وزارة التربية. ويمكن تتويج هذه العلاقة بايجاد نظام معين تستطيع الوزارة من خلاله الاستناس بآراء اساتذة الجامعة حول طلابهم السابقين من المرشحين الجدد لمهنة التدريس أو يمكن إشراك مختصين من كلية التربية في المقابلات الشخصية التي تجريها الوزارة للمرشحين للتدريس. وقد كانت لنا في منطقة ابوظبي التعليمية تجربة في استضافة الدكتور خليفة السويدي من كلية التربية في احدى لجان المقابلات الذي اختصر علينا الكثير من الوقت بابداء رأيه في السمات الشخصية لعدد من المرشحات اللواتي اشرف على تدريسهن شخصيا. كذلك يمكن للوزارة ان تلعب دورا في توجيه الطلاب مهنيا من خلال إعداد برنامج للتوجيه المهني لطلاب الثانوية العامة تبين فيه السمات الشخصية المطلوبة لكل مهنة بما فيها مهنة التدريس. المجال الاخر الذي ينبغي ان يتم التنسيق فيه هو نوعية المساقات التي يدرسها الطالب بكلية التربية. ما اعنيه بالتنسيق في هذا السياق هو أن توفر الوزارة للكلية التغذية الراجعة حول مواطن الضعف عند خريجي كلية التربية الذين التحقوا بالتدريس في مدارس وزارة التربية, فمثلا, ومن خلال تجربتي الشخصية, كنا نشعر ان الخريج الجديد لم يعد بصورة كافية في مجال الادارة الصفية وتحديدا فيما يتعلق بانضباط الطلاب داخل الصف والتعامل مع المراهقين على وجه الخصوص. فالمعلم الجديد يعاني كثيرا من مسألة عدم انضباط بعض الطلاب مما يؤثر على ادائه ويصيبه بشيء من الاحباط في بداية حياته المهنية. والتعامل مع الطلاب المشكلة, مهارة يمكن التدرب عليها لكن يبدو أن غياب التنسيق الفعال حجب عن الكلية معرفة حقيقة معاناة المعلمين الجدد من مشاكل الانضباط. ان اعداد الدراسات والابحاث الميدانية من متطلبات التطوير التربوي ولا يصح تعميم اي مشروع تربوي جديد قبل إخضاعه للبحث والتقييم الدقيق. فكلية التربية تعج بالباحثين الاكفاء الذين هم في حاجة للبحث العلمي لأغراض التنمية الذاتية أو لأغراض الترقية العلمية ووزارة التربية من ناحية اخرى في حاجة ماسة للبحث العلمي المحايد لتقييم تجاربها التطويرية. اذا لا ينقصنا هنا سوى التنسيق لتعيم الفائدة بين الطرفين وبتكلفة اقل من استقطاب باحثين من الخارج. اما فيما يتعلق بمجال التدريب والتأهيل فلا اعتقد ان هناك جهة متخصصة في اعداد المعلمين وتأهيلهم في الدولة أكثر من كلية التربية بجامعة الامارات وما قدمته وتقدمه الكلية يعد خدمة جليلة للتربية في الدولة, ومع ذلك تقول ان التأهيل الذي تقوم به الكلية والتدريب الذي تسهم فيه مساهمة واضحة يمكن ان يكون افضل اذا رفعنا مستوى التنسيق. وما نتمناه في هذا الصدد الاستمرار في تطوير العلاقة لرفع كفاءة التدريب الذي يقوم به الاساتذة في الكلية من خلال توحيد الرؤى حول احتياجات الوزارة الكمية والنوعية من التدريب اثناء الخدمة. ان هناك رغبة عند وزارة التربية في إلحاق المعلمين والاداريين في المدارس ببرامج الدراسات العليا لرفع كفاءاتهم المهنية وقد حققت كلية التربية جزءا من هذه الرغبة من خلال برنامج دبلوم الادارة المدرسية وهو ما نعتبره باكورة تنسيق بين الطرفين وننتظر في الاطار نفسه برنامج الماجستير في الادارة المدرسية, هذه البرامج الدراسية لاشك انها مفيدة وايجابية لكن لا ترقى الى مستوى الطموح لانها موجهة للعاملين في مجال الادارة المدرسية فقط اما معلموا الفصل ومعلموا المواد المختلفة وغيرهم من اصحاب التخصصات التربوية, فإنها لم تسنح لهم الفرصة المناسبة للارتقاء بكفاءاتهم المهنية من خلال برنامج دراسي يتوج بشهادة جامعية عليا تكون بمثابة الحافز لهم. اعتقد ان التشاور والحوار المستمر بين الوزارة والكلية سيزيل الكثير من العقبات التي تقف حجر عشرة امام تطوير برامج الدراسات العليا التي تخدم التنمية المهنية للعاملين في الحقل التربوي. أما المجال الأخير الذي أود التطرق إليه فيما يتعلق بالتنسيق بين وزارة التربية وكلية التربية هو مجال الاستشارات التربوية. فوزارة التربية اليوم وهي تتبنى التطوير التربوي الشامل في امس الحاجة للاستشارات التربوية لوضع خططها المستقبلية. ونظرا للتغيير التربوي الطموح الذي تنشده الوزارة فان ذلك لن يتحقق بكفاءة ما لم تستعن بخبرات استشارية خارجية مطلعة على التجارب العالمية الحديثة في الاصلاح التربوي وخبرات محلية مواطنة على دراية بواقع الدولة الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتربوي خاصة. ووجود الخبرات الخارجية والمحلية معا في فريق عمل واحد سيرفد الوزارة باستشارات تربوية اكثر واقعية وفعالية. تستطيع وزارة التربية استقطاب الخبرات التربوية العالمية المتخصصة من جهات متعددة اما الخبرات التربوية الوطنية فموجودة بكثافة في جامعة الامارات وبخاصة في كلية التربية. واعتقد انه لن يتردد اي مواطن في الجامعة او خارجها في المساهمة في رفع كفاءة اية مؤسسة حكومية داخل الدولة اذا توفرت لديه الظروف المناسبة. والامر ليس بجديد, فخبرات جامعة الامارات كانت ولاتزال في متناول يد الوزارة وقد لعبت دورا بارزا في رسم السياسة التعليمية في الدولة. واستشهد هنا بمقولة للدكتور على راشد النعيمي نائب مدير الجامعة عندما اكد في لقاء تلفزيون بقناة دبي الفضائىة الجمعة الماضية أن هناك توجيهات من سمو الشيخ نهيان بن مبارك الرئيس الاعلي للجامعة للعاملين في الجامعة بتقديم كل المعونة والدعم لوزارة التربية والتعليم. وهذه دعوة واضحة وصريحة لوزارة التربية للاستفادة من امكانيات الجامعة, اتمنى ان تستغلها الوزارة افضل استغلال. ومشاركة الخبراء المواطنين في تقديم خبرتهم لوزارة التربية تنتج عنها ايجابيات عديدة. اولها: أن وجود عناصر مواطنة في الجهاز الاستشاري للوزارة بجانب العناصر غير المواطنة يسهم في ترشيد القرار نظرا لخبرة المواطن بالواقع المحلي كما اسلفت. ثانيا ان الخبير المواطن اقل تكلفة من الخبير الاجنبي والمواطن في الغالب لايكلف الوزارة شيئا لانه ينتدب من عمله وهذا ما يوفر علي الوزارة مبالغ طائلة يمكن صرفها على المشاريع التطويرية. ثالثا: سيعمل المواطن بجدية اكبر باعتبار ان المشاركة في القرارات المهمية التي تمس مستقبل الدولة مسؤولية مجتمعية ليس من السهل التفريط بها, رابعا: نجاح اي مشروع وراءه مواطن يبث الثقة في المواطن ويحفزه للعمل اكثر خامسا: احتكاك الخبرة المواطنة بالخبرة الاجنبية ينمي الاولي وهو ما يعد اثراء للموارد البشرية المواطنة في الدولة ولا اعتقد ابدا ان وزارة التربية والتعليم ستبخل بإتاحة الفرصة لاي مواطن الاستفادة المهنية من مشاريعها. واخيرا, مهما بذل وقدم الخبير الاجنبي من جهد للدولة سيأتي يوم يعود فيه الى وطنه لاي سبب كان, فهل يتوقف العمل ام اننا نشرك المواطن من البداية حتى اذا غادر الخبير الاجنبي يحل محله المواطن بدون ان يتسبب ذلك في انقطاع وتعطيل في مسيرة العمل. ان تنمية العلاقة بين كلية التربية بجامعة الامارات ووزارة التربية والتعليم لتصل الى أعلى مستويات التفاهم والتنسيق سيعود بالخير على الوزارة والكلية ومن ورائهم المجتمع فلماذا لا نرى مبادرات جادة لتحقيق الفعالية في المؤسستين لخدمة التربية في بلادنا. مدير منطقة أبوظبي التعليمية سابقا e-mail: eissa _uae@hotmail.com