تدريس اللغة العربية في المدارس الخاصة غير العربية : وهنا لابد من الاشارة أولا إلى ان بين هذه المدارس مدارس غير عربية لكنها إسلامية, كالمدرسة الباكستانية أو المدرسة الايرانية, ومدارس أخرى غير إسلامية وغير عربية كالمدرسة الانجليزية والأمريكية أو الهندية وغيرها. لقد كانت جميع هذه المدارس ملتزمة بتدريس اللغة العربية. ورغم التحفظات التي قد ترد على كيفية تدريس هذه اللغة في تلك المدارس إلا ان الحرص على تدريسها مسألة في غاية الأهمية, وان قرار وزارة التربية والتعليم باعفاء هذه المدارس من الالتزام بتدريس اللغة العربية ــ وأيا كانت الأسباب والدواعي وراء اتخاذه ــ فإنه قرار خطير جدا. وقد يكون من المفيد التطرق إلى التحفظات التي ترد على تدريس اللغة العربية في المدارس الخاصة (غير العربية وغير الإسلامية), وما لذلك الاسلوب من تأثير سلبي على مستوى تحصيل الطالب بالنسبة لمادة اللغة العربية من جهة, ومدى حبه أو تعلقه وتذوقه لهذه اللغة من جانب آخر. في إحدى المدارس الأجنبية بالدولة, والتي عرفت بمستواها الرفيع في التعليم والتربية وتكوين شخصية الطالب المتوازنة, والمبادرة, والقادرة على الحوار, وذلك راجع بالدرجة الأولى لنوعية الإدارة والأسلوب التربوي الرفيع الذي تتبعه, ونوعية المدرسين والمامهم بالجوانب التربوية والنفسية. إلى جانب الجوانب المعرفية في تعلم النشء. كانت مادة اللغة العربية تدرس للطلبة العرب والمسلمين الراغبين في دراستها في نهاية اليوم الدراسي (أي بعد أن يتم الطالب دراسة كل المواد المقررة). وحين حاول بعض أولياء الأمور مناقشة المدرسة في ذلك باعتبار ان أبناءهم في نهاية اليوم الدراسي متعبون وقد لا يستوعبون تلك المادة, كان الخيار الآخر الذي عرض عليهم هو أن يدرس أبناءهم العربية في وقت الفرصة (أي الوقت المخصص للعب الأطفال وراحتهم). وكانت حجة المدرسة هي ان اليوم الدراسي مزدحم ولا وقت لتدريس اللغة العربية ضمن هذين الخيارين. ترى أي تحصيل يمكن أن يخرج به طالب لا تسعفه قدراته على ادراك أهمية اللغة وضرورة تعلمها, لكي يفضل تعليمها على خروجه للعب والراحة مع أقرانه, وأي انتباه تتوقعه منه وهو بكل أحاسيسه خارج الفصل وبعيدا عن المدرس والمادة المدرسة. انه منهك ومتعب وربما جائع وبحاجة إلى أن يلهو ويمرح مع رفاقه, وماذا تتوقع من مدرس لم يتح له إلا هذا الوقت الضيق وغير المناسب ليدرس مادته, كيف له ان يشد انتباه الطالب إليه, وأن يحمله على فهم المادة وتذوقها؟ وهو يدرك تماما أن الطالب مجبر على أن يكون معه بجسده بينما عقله وروحه وكل كيانه قد غادر تلك القاعة إلى خارجها. حيث بقية الأطفال يستمتعون بفرصتهم؟ ربما يستوعب المدرس ذلك جيدا, لكنه في المقابل مسؤول عن تدريس تلك المادة. وقد يلجأ للشدة أحيانا لحمل الطالب على الانتباه, فينتبه البعض بينما يضطر البعض الآخر للتظاهر بالانتباه. كأن يفتح عينيه على وسعهما ويحدق في وجه المدرس ويجلس ساكنا كالتمثال دون أن يعي شيئا مما يقوله ذلك المدرس, ولا تقف الأمور عند هذا الحد, بل ربما يقارن ذلك الطفل بين مدرس اللغة العربية في مدرسته الذي أجبر على ذلك الوضع ـ ذلك المدرس الذي يبدو له قاسيا ومتعنتا لانه يصر على تدريسه في وقت يريد هو أن يقضيه في اللهو, ذلك المدرس الذي اضطر لان يستخدم الشدة ليضمن انتباه الطالب, ــ وبين مدرسيه الأجانب الذين أتاحت لهم إدارة مدرستهم لان يعرضوا معارفهم وخبراتهم التدريسية في أوقات وظروف مناسبة للمدرس وللطالب. من الطبيعي ألا تأتي تلك المقارنة لصالح مدرس اللغة العربية لان قدرة الطالب على تفهم تلك الظروف محدودة فهو لن يخرج من تلك المقارنة إلا بموقف رافض لذلك المدرس, والأخطر من ذلك موقف رافض للمادة المدرسة ألا وهي اللغة العربية والتربية الإسلامية, ورغم ان المادة المعدة لتدريس اللغة العربية في المدارس الأجنبية كانت تحمل عنوان (أحب العربية) فهل قاد أسلوب التدريس السابق الذكر إلى تحقيق ذلك الغرض؟ وهل استرعت تلك المسألة اهتمام المسؤولين في وزارة التربية والتعليم ودفعتهم للتفكير في تهيئة ظروف أفضل لتدريس تلك اللغة في المدارس الخاصة غير العربية. بدلا من اتخاذ قرار اعفائها من ذلك الالتزام؟ هل نترك تلك القضية بدون معالجة حتى نفاجأ بجيل من أبنائنا ممن انقطعت لغة الحوار بيننا وبينهم, لا لعدم معرفته باللغة العربية فحسب, وإنما لعدم تذوقه لها وربما لمقته لها, أو لشعور بالدونية تجاهها وتجاه الثقافة العربية بصفة عامة, لانه لم تتح له الظروف المناسبة لتعلم تلك اللغة وتذوقها وهي لغته الأم, وأحد المكونات الأساسية لشخصيته وهويته بل وبقائه كإنسان عربي وسط التحديات الثقافية التي تواجهها الأمة العربية في الوقت الراهن. وأيا كانت دواعي اتخاذ قرار اعفاء المدارس الأجنبية من تدريس اللغة العربية, فإن ذلك القرار ليس بحاجة إلى مراجعة فحسب, بل إنه ما كان ينبغي أن يصدر أساسا من مؤسسة تربوية أحد مهامها الأساسية ــ إلى جانب التعليم ـ هي الإسهام في عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية للنشء وغرس المعارف والقيم الكفيلة بالحفاظ على هويتهم الثقافية, تلك الهوية التي لا يمكن لها أن تبقى وسط التحديات التي تواجهها في هذه المرحلة دون رؤية واضحة من قبل المسؤولين عن مؤسسات التنشئة بصفة عامة لمحورية مكانة اللغة العربية والدين الإسلامي بالنسبة للثقافة العربية وهوية المجتمعات العربية وأمنها واستقرارها. والغريب أن يكون واقع تدريس اللغة العربية على هذا النحو في مجتمعاتنا العربية في زمن يتزايد فيه تأثير العامل الثقافي, وفي زمن نرى فيه بقية الدول تنفق الملايين من أجل انشاء مكاتب ثقافية لها في معظم دول العالم, وتسعى بكافة السبل لتفعيل دور تلك المكاتب من أجل نشر لغتها وثقافتها وتكوين توجهات ايجابية لدى الآخرين تجاه تلك الدول. ويكفي أن نرصد دور المكاتب الثقافية التابعة للسفارات الأجنبية في دولة الامارات وغيرها من الدول للتداول على ما توليه الدول الأخرى من اهتمام بنشر ثقافتها باعتبار انها المعبر الأساسي إلى عقول الآخرين, والبداية الموفقة إلى حد كبير لتكوين توجهات ايجابية لديهم تجاه هذه الدول وثقافتها بل وسياساتها.