لو كانت اسرائيل في كوكب آخر غير هذه الارض, لربما وجدنا متعة كبرى في المتابعة التفصيلية للحملات الانتخابية الدائرة فيها والتي يمكن اعتبارها وفق ما يعترف به بعض صحفييها , من اولى الحملات الانتخابية في تاريخ (الديمقراطيات) المعاصرة فكل شيء مسموح من الكذب الى التزوير الى فبركة ونشر الفضائح والحديث عن العاهرات واليهود الروس المزيفين, ومآخذ السفارديم على هتلر انه كان كسولا ولا يؤمن بالعمل (اوفرتايم) في معسكرات الاعتقال. لكن اسرائىل في هذا الكوكب, وبالضبط فوق (ارضنا) من هذه الارض وبالتالي فإننا لا نملك ترف التلذذ بهذه المتعة, لاننا على يقين بأن كل ما يقولونه بحق بعضهم البعض, فلن يحول دون اتفاقهم في نهاية المطاف على موقف واحد من قضيتنا المصيرية. واذا كان العرب منشغلين منذ اشهر في رصد هذه الحملات الانتخابية فإن حكماء صهيون منهمكون في وضع السيناريوهات التي يمكن الاعتماد عليها في حالتي الحرب والسلام مع العرب. ومما تسرب من اخبار هؤلاء الحكماء انهم اتفقوا على ان خيار السلام قد يكون اكثر خطورة على اسرائيل من خيار الحرب وذلك لعدة اسباب منها: اولا: لان اسرائيل متفوقة عسكريا على مجموع الدول العربية, وان المجتمع اليهودي تعود على الوحدة في ظل الحروب. ثانيا: لان اسرائيل تستطيع الاعتماد على تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة مما يساعدها على المضي في الحرب الفترة الكفيلة باضعاف العرب ونضوب مواردهم العسكرية خصوصا وانه لم يعد هناك من (اتحاد سوفييتي) . ثالثا: لان العرب انفسهم يدركون انه ليس باستطاعتهم اللجوء الى الخيار العسكري, ولا سيما بعد خروج مصر من دائرة الصراع وانغماسها العميق في مشاريع تنموية, وبعد تحطيم قدرة العراق العسكرية وانشغال سوريا على اكثر من جبهة يمكن تسخينها في اية لحظة واخيرا لان موقف القيادة الفلسطينية برر لبقية العرب امكانية الصمت على اي ضيم مهما كانت قيمته. اما خيار السلام وفق مايرى هؤلاء الحكماء, فمن شأنه ان يشيع اجواء الاسترخاء والسعي الشره للاستثمارات والمشاريع الاقليمية مع ما يواكب ذلك العادة من فساد ورشاوى وابتعاد عن القيم الايديولوجية. ويضيف هؤلاء ان خيار السلام مهما كانت نتائجه النهائية فلن يكون في جوهره اكثر من سلام مفروض بالقوة وهو ما لن ترضى به قطاعات كبيرة من الجماهير الفلسطينية والعربية وقد يدفعها ذلك الى المزيد من التطرف واللجوء الى وسائل من المقاومة تجعل الحياة صعبة في اسرائيل بل وشبه مستحيلة. وعلى ضوء هذه المنطلقات عكف حكماء صهيون على وضع السيناريوهات التي يجب الاختيار من بينها في كلا الحالين ومما يلفت النظر في بعض ما تسرب من اخبارهم هو مدى تأثرهم بالتجربة الدولية التي ادت الى انتصار الغرب على الاتحاد السوفييتي ومعسكره من دون خوض حرب ساخنة. ولذلك فهم ارتأوا انه اذا عم خيار السلام فعلى اسرائيل ان تعي بأنه قد بدأت حربها الباردة ضد العرب وان عليها ان تتقن عملية الصراع بأداء يحقق النصر دون خوض الحرب. ومن هنا وحتى تكون الامور واضحة منذ بداياتها على الاسرائيليين ان يقفوا وقفة واحدة في مرحلة ماقبل التوقيع على الحل النهائي لقضية فلسطين ومسألتي الانسحاب من الجولان وجنوب لبنان وبقاعه الغربي. وهذا يعني انه بغض النظر عن نتائج الانتخابات الاسرائيلية فإنه لابد من تشكيل حكومة اسرائيلية من التجمعين الاساسيين الليكود والعمل, فإذا نجح العمل يرأس باراك الحكومة ويشغل نتانياهو حقيبة الخارجية المعنية الرسمية بشأن المفاوضات ويتم العكس في حال نجاح الليكود وتفوقه على العمل كما حدث في الماضي لان مثل هذه القضايا لايجوز ان يتحمل مسؤولية البت فيها حزب دون اخر مما يهدد بالانقسام او العجز عن وصول الى اتفاق بات الوصول اليه امرا ملحا وبخاصة للولايات المتحدة. كما يرى الحكماء انه لايمكن التسويف في عملية التفاوض من دون وجود حكومة اتحاد وطني وهو امر مطلوب لبناء المزيد من الوقائع الجديدة وانهاك القيادة الفلسطينية حتى الوصول الى اتفاق لا يحول بين المشروع الصهيوني التاريخي وبين المضي باستمراره وتوسيعه. والسؤال الان يدور حول ما اذا تحقق مثل هذا الاحتمال فماذا سيكون الرد العربي الفلسطيني؟ مسؤول قيادي في حركة فتح ممن يقيمون في الداخل رد على هذا السؤال بحماسة يشكر عليها رغم افتقارها الى الف باء العقلانية والتفكير الاستراتيجي قال: ان شعب فلسطين متوثب وجاهز بانتظار اشارة. فقلت له: انا لا اسألك عن الشعب فمعرفتي به لاتقل عن معرفتك ولكن اسألك عما في ذهن القيادة لو ثار هذا الشعب او انتفض, لقد سبق ان انتفض فانتهت الانتفاضة الى اوسلو رغم ما كان لدينا من رصيد وامكانيات منها حرية الحركة ودون اي التزام بـ (التفاوض) كحل اوحد في الماضي قلتم وقلنا معكم ان لا حل الا بالكفاح المسلح, وانتهت الامور بنا بالتزامكم مقولة ان لاحل إلا بالتفاوض, ايام الانتفاضة كان الشعب يجابه الجندي الاسرائيلي واليوم نخشى ان يجابه الشرطي الفلسطيني. وللحق فإن هذا المسؤول وانا لا اشك في وطنيته مطلقا سرح قليلا قبل ان يعترف بأن سؤالي مشروع ومواجهته مطلوبة واضاف من عنده متطوعا فقال: بعد عودتنا الى البلاد واستقبال الناس لنا بحرارة وتكريم تخيلت ان السفينة ستبحر دون اي عناء وكان الاتفاق ان لا مفر من العودة الى الذات الى منظمة التحرير الفلسطينية, الى فصائل المقاومة, الى فعاليات الشعب الفلسطيني, الى اجتماع خارج الارض المحتلة للوصول الى صيغة تشكل, ولو الحد الادنى من القدرة الفلسطينية القادرة على صف الشعب من حولها, اولا لتلافي اي اقتتال داخل وثانيا للتقدم خطوة على طريق المجابهة والتحدي. كما كان الاتفاق على ضرورة تطبيع العلاقات العربية ــ الفلسطينية! في اخر زيارة له للبنان, دعا ابو اللطف الى مثل هذا التوجه وضرورة العودة الى التنسيق والعمل العربي المشترك وبعد ان قال ماقال سأله الدكتور سليم الحص, رئيس الوزراء اللبناني كالمندهش: وهل يقبل ياسر عرفات بذلك اي ان يشاركه العرب في اتخاذ القرار؟ ولن اقول بماذا رد ابو اللطف.. وكان الله في العون.