ينظر الجميع إلى مناصبهم الكبيرة على انها نوافذهم المشرعة والمشروعة على كل الفضاءات, ولكل انسان فضاءاته حسبما يعتقد ويؤمن, لكن اسوأ تلك الفضاءات (الضيقة) هي ما يقود إلى شهوة التسلط لدرجة الاستبداد . ولا أقصد بالمناصب هنا الوظائف البارزة ذات الرنين الصارخ, ولكنني أعني بها حتى (منصب) فراش المدير!! أذكر ان عددا من القراء في تواصلهم الدائم معي, عندما أجيب على مكالماتهم الهاتفية, يفاجئني بعضهم بقوله: جميل ان نحدثك بهذه السرعة وبدون تعقيدات, كنا نظن بأننا يجب ان ..... ويسترسل في كلام تشعر بأنه لا داعي له, إلا انه يدل على ان لصاحبه حكاية ما مع أحدهم!! وهؤلاء الــ (أحدهم) كثيرون, ممن يعتقدون ان ارساء قواعد الاحتجاب عن الآخرين (وأقصد بهم المراجعين من الأخوة المواطنين وغير المواطنين) نوع من الوجاهة الوظيفية المطلوبة لاشعار هؤلاء الآخرين بأهميتهم ومكانتهم ومدى نفوذهم, ولزيادة معدل الاحتياج عند هؤلاء الآخرين مما يعني ان هذا النوع من ممارسي عشق المناصب واقعون في مستنقع مرضي قاتل. لا أجد تفسيرا لهذه الظاهرة سوى شهوة السلطة, والافتقار إلى الشعور بالأهمية الحقيقية النابعة من انسانية الانسان ودوره الفاعل والمؤثر فيمن حوله, فحين يدرك هذا بأنه بلا قيمة انسانية وبلا فعل حقيقي وبأنه همل وخواء يذهب في سد هذه الفراغات بمظاهر أخرى أقرب للانحراف السلوكي دون ان يدري. وفي الحقيقة فإن كثيرا ممن تلقيت مكالماتهم شكوا من عدم قدرتهم الحصول على موعد لمقابلة سيادة المدير... ولا يهم من هو المدير المهم انه صاحب السعادة المتحكم في أمر أو صاحب القرار في قضية قد تكون مصيرية وحساسة لصاحبها ويملك هو دون غيره ان يبت فيها, ولكن سيادته مشغول في مقابلة أو في اجتماع أو... هل يمكن ان ينشغل المدراء والرؤساء والمسؤولون كل الوقت وطوال أيام الشهر والسنة, هل هناك اجتماعات تستغرق كل زمن العمل, اذن متى ينجز هؤلاء بقية أعمالهم؟ أم ان الأعمال تنجزها هذه الاجتماعات المصيرية؟ سكرتارية المسؤولين, أجهزة يفترض ان تقوم بدور المرشح أو (الفلتر) فليس كل من يريد مقابلة المدير يحق له ذلك, لأن المؤسسة يديرها أو يدير أعمالها مئات الموظفين الذين يفترض ان يخففوا العبء عن رئيس العمل وخاصة في قضية المقابلات, لكننا هنا نتحدث كما قلت بداية عن مقابلات يملك المدير فقط أمر البت في قضيتها التي قد يترتب عليها أمر حيوي وعلى تأجيلها قد تنعكس اضرار حياتية على هذا المراجع, لكن السكرتير الفاضل (يجتهد) ربما من تلقاء نفسه وربما (مستنيرا) بتعليمات رئيسه فيرد على المراجع طالب المقابلة: موضوعك تافه أو سخيف أو لا يستحق ان يقابلك بسببه المدير, فالمدير مشغول بالقضايا الكبرى!! كل مراجع بسيط مهدد في أمر أو ينتظر انفراجا لأزمة أو قضية يعتبر معاملته قضية كبرى, ولا يحق لأي موظف كبيرا كان أو صغيرا ان يحتجب عنه تحت أي مبرر طالما كان قادرا على تقديم شيء ايجابي لهذا المراجع.