الانتماء العرقي ليس من بين القواعد التي تحكم العلاقات الدولية. القاعدة الحاكمة في ساحة العلاقات الدولية هي المصالح الحيوية (الجيوبوليتيكية) والصراع حولها بغض النظر عن الانتماء العرقي للمتصارعين . ولذا فإن القرار (الاستراتيجي) الذي تبناه مؤخرا العقيد معمر القذافي بجعل انتماء ليبيا الافريقي عوضا عن انتمائها العربي أساسا لمنهج السياسة الخارجية الليبية لن يغير شيئا من واقع صراع المصالح العالمي بين الولايات المتحدة وبلدان العالم الثالث ومن بينها الدول العربية والدول الافريقية بما في ذلك ليبيا في الحالين. من هذا المنظور فإن نقل ثقل العلاقات الاستراتيجية الليبية من الميدان العربي إلى الميدان الافريقي ليس بالضرورة خاطئا بشرط أن يكون الهدف المقصود نابعا من ثوابت الصدام مع توجهات الهيمنة الأمريكية نحو العالم الثالث. وصفوة القول هي اننا نأمل أن تكون النقلة السياسية التي قررها الزعيم الليبي نابعة من فكر استراتيجي واع وعميق وبعيد المدى لا انفعال وقتي مبني على رؤية سطحية. وهذا يعيد إلى الأذهان تلك الرؤى الاستراتيجية النافذة التي كانت تشكل منطلقات سياسة عبدالناصر العالمية التي ظلت سارية المفعول منذ السنوات الأولى لثورة يوليو في الخمسينات وإلى ــ رحيل ذلك الزعيم العبقري. كانت (الدائرة الافريقية) إحدى ثلاث دوائر مع الدائرتين العربية والآسيوية ترتبط كلها ارتباطا عضويا لا فكاك منه لتشكل ميدانا موحدا للمنازلة الاستراتيجية الناصرية ضد الجبهة الاستعمارية العالمية وأعوانها المحليين. لقد تغير الاستعمار الآن شكلا دون أن يتغير موضوعا. زالت سيطرة الاستعمار الأوروبي التقليدي كهيمنة احتلالية مباشرة تراها العين المجردة لتفسح المجال لاستعمار أمريكي اقتصادي غير مباشر أدواته شركات (متعددة الجنسية) ومؤسسات مالية يتقدمها (صندوق النقد الدولي) هدفها تكريس الفقر في العالم الثالث عن طريق نهب منظم للموارد تحت اسم (الاصلاح الاقتصادي) . هذه هي (أم الحقائق) التي يجب أن تنطلق منها الاستراتيجية الجديدة للعقيد القذافي صوب افريقيا. بمعنى أن يكون الهدف الاستراتيجي هو تحرير بلدان وشعوب افريقيا من السيطرة (العولمية) الاقتصادية الأمريكية. وإذا اعتمد العقيد القذافي هذا التوجه فسوف يعيد اكتشاف ما سبق ان اكتشفه عبدالناصر من ان المشهد الافريقي ليس سوى جزء من تلك الصورة العامة التي تتضمن أيضا المشهد العربي والمشهد الآسيوي والمشهد الأمريكي اللاتيني. لقد نشط العقيد القذافي مؤخرا في تحركه الافريقي في العمل كوسيط صلح بين حكومات افريقية بدأه باقناع رئيسي كل من الكونغو ويوغندا بتوقيع اتفاق لوقف اطلاق النار كخطوة نحو وضع نهاية للحرب الدائرة في منطقة البحيرات العظمى في وسط افريقيا (التي تشارك فيها دول افريقية أخرى في المنطقة لصالح طرف أو آخر). لكن هذا الانجاز لا يعني شيئا إذا لم يكن مبنيا على تفهم واع ونافذ البصيرة للطبيعة الاستراتيجية لذلك الصراع الدموي وبالتالي يكون السعي لوقف اطلاق النار وغيره من تحركات واجراءات منطلقا من استراتيجية مضادة. فوراء الحرب مخطط استراتيجي أمريكي كبير وبعيد المدى يهدف إلى اقامة سلسلة من الأنظمة الموالية يتكون منها من أقلية عرقية (قومية التونسي) تعتمد في بقائها على سند عسكري أمريكي, وبالتالي تنحصر مهمتها في تمكين شركات أمريكية من حرية نهب الموارد المعدنية في المنطقة باسم الاستثمار. ولو تمكن الزعيم الليبي من رؤية الأوضاع الافريقية بعين استراتيجية تخترق الحجب وتنفذ عبر التفاصيل إلى الجوهر فإنه سوف يتوصل قطعا إلى قناعة نهائية بأن شأن افريقيا كضحية لهجوم المصالح الأمريكي هو أيضا شأن العالم العربي وغيرهما. كاتب صحفي وسفير سوداني سابق