انتهينا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة حول السياسة التربوية الى ان الاهتمام بالحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمع تعني ما هو أبعد وأعمق بكثير من مجرد الحرص على تضمين مناهج اللغة العربية على سبيل المثال قصيدة لشاعر اماراتي , أو حديث عن الغوص والنخلة والجمل كرموز لهذا المجتمع. وأعمق من الحرص على ان يرتدي أطراف الحوار المدرج ملابس وطنية وان يحملوا أسماء محلية, ان ذلك الاهتمام ينبغي ان يرقى وان يتجاوز الاهتمام بقشور تلك الثقافة ليغوص في مضامينها, بل وفي أعماق أعماقها ليبعث ذلك المخزون الثقافي الأصيل ويجدده ليكون سياجا يقي ثقافة هذا المجتمع, ومحركا من محركات الدفع به الى ما هو أفضل. ولا يقصد بالغوص في أعماق الثقافة هنا محاولة للارتداد الى الوراء أو محاولة للتقوقع أو الانكفاءة على الذات بقدرما هي محاولة لسبر جوانب الثقة في هذه الذات, تلك الجوانب المغفلة وبعثها من جديد, بعثا كفيلا بتحقيق الاهداف المرجوة في هذه المحاولة, ولا يمكن ان يتحقق ذلك إن لم يكن لذلك البعث من القوة والصلابة والرشد ما يمكنه من الاستمرار وسط التحدي الثقافي المعاكس. ولعل أول مستلزمات قوة ذلك البعث الثقافي تتمثل في عمق ووضوح الرؤية للتراث الثقافي العربي الاسلامي وقدرته على استخلاص القيم والمعطيات الكفيلة بالحفاظ على ذلك المخزون الثقافي والحضاري وسط التحديات الثقافية التي يواجهها. والأهم من ذلك كله قدرته على استيعاب كل ذلك وتضمينه في المنهج الدراسي وطرق ومناهج التدريس, بل وفي المناخ الدراسي والثقافي بصفة عامة لعلنا نبقي على جانب القوة العربية المتمثل في اصالة وأفضلية الحضارة العربية الاسلامية في زمن تجردت فيه الامة العربية أو جُردت من معايير القوة الاخرى, واذا اتفقنا ــ وان نسبيا ـ على ما تقدم, وانتقلنا للتعرف على واقع تدريس اللغة العربية والتربية الاسلامية مقارنة بغيرها من المواد الدراسية, وإن كانت بقية المواد لا ينبغي ان تخلو وان تفرغ من محتواها القيمي والثقافي وبالذات مادة التربية الوطنية والتاريخ. ونأخذ مؤشرا بسيطا لمعرفة بعض ملامح واقع تدريس المادتين سابقتي الذكر, وهو مؤشر النجاح والرسوب في هاتين المادتين ومدى تعلق تذوق النشء للموضوعات المدرجة في مناهجها. وصحيح اننا لم نقم بدراسة مسحية لمعرفة تلك المسائل ولكن يكفي للتدليل على حدوث تغير في محتوى تلك المواد وطريقة عرض ذلك المحتوى وأساليب التدريس والتقييم, وان الطالب في السابق أي في العشر سنوات الأولى من تأسيس الدولة الاتحادية لم يكن يبذل جهدا كبيرا لاستيعاب تلك المواد, وقد يكون ذلك راجع لسهولة المنهج وسلاسة اسلوب عرض المادة المدرسية, وتذوق مدرسي المساق لمادته ومعرفته لكيفية نقل تلك المعارف للطالب, أو ان أساليب التقييم من امتحانات وغيرها كانت تركز على درجة الاستيعاب بشكل عام ولا تهتم كثيرا بالتفاصيل, كل ذلك جائز بالطبع ,ولكن هناك مسألة اخرى في غاية الاهمية وهي ان مؤسسات التنشئة وروافد الثقافة بشكل عام في تلك الفترة كانت تصب في نفس الاتجاه, ولم يكن النشء يتلقي قيما ثقافية مغايرة أو دخيلة تجعل من الصعوبة تكييفه مع قيمه الاصيلة أو توفيقه بينها وبين ما هو وافد ودخيل ولم يكن ذلك هو شأن التلميذ وحده, وإنما شأن المدرس والمربي على مستوى الأسرة, فالكل ينهل من نفس الوعاء الثقافي ويصب في نفس الاتجاه, واذا اعتبرنا ان هذا التضاد الثقافي ــ ان جاز التعبير ــ بين ما هو أصيل وما هو وافد ودخيل, قد خلق حالة من الاغتراب لدى النشء حالت دون قدرتهم على استيعاب تلك المعارف والقيم, فإن المدرس ليس بمنأى عن تأثير ذلك التضاد, وان تأثيره سيكون أقل فاعلية إذ هو يوجه النشء باتجاه معين بينما تسير روافد المعرفة الاخرى وما أكثرها باتجاه معاكس. ثم نأتي لأسلوب عرض المادة من خلال المنهج بالرغم من الجهد المبذول من أجل تحقيق غاية تعليمية مهمة وهي تطوير قدرة الطالب على التعليم الذاتي, وصياغة المادة في صيغة تساؤلات أكثر من كونها تقدم مادة معرفية ومع اعترافنا بأهمية ذلك الاسلوب في التعلم الذاتي, الا ان واضعي هذا المنهج لم يضعوا في اعتبارهم مصادر المعرفة المتاحة أمام الطالب في المدرسة أو المجتمع, واذا ما كانت تفي باحتياجات ذلك الاسلوب التعليمي, ولم يضعوا في اعتبارهم محدودية معارف المدرس احيانا. وعاجز عن الاجابة على مثل تلك التساؤلات, الأمر الذي زاد من تعقيد تلك المادة بالنسبة للطالب وحد من قدرته على تحصيلها وربما من قدرته على تذوقها. واذا ما انتقلنا الى تدريس تلك المعارف على مستوى المدارس الخاصة العربية منها والاجنبية, فإننا سنواجه باشكاليات جديدة, صحيح ان المناهج المدرسية بالنسبة لهاتين المادتين هي ذات المناهج الحكومية ولكن هناك بعض التساؤلات التي ينبغي طرحها والاجابة عليها للوقوف على واقع الكم المدرس من هذه المناهج؟ وكيف يتم انتقاء هذا الكم؟ وهل يفي بغرض رفع تحصيل الطالب المعرفي منها, وهل ساعدت على رفع تذوقه لها؟ وهل كان ذلك الكم وأسلوب التدريس كفيلا بتأكيد القيم التي تضمنتها هذه المواد؟ ان المتتبع لعملية التدريس في بعض المدارس الخاصة العربية سيجد ان المدرس يعتمد أسلوب الانتقاء في الغالب للمادة المدرسة. كما يعتمد أسلوب اعطاء ملخص قصير مكون من أربع الى عشر صفحات على الاكثر يتضمن بعض الاسئلة والاجوبة النموذجية لها, ويكتفي الطالب بمراجعته لاجتياز الامتحان, ولا ألقي باللوم هنا على ذلك المدرس. أو على ادارة تلك المدرسة, فهي مدرسة قد أنشئت أساسا لتلبية احتياجات فئات معينة من المجتمع (أبناء الوافدين) واذا بها تجتذب شريحة واسعة من أبناء المواطنين, لا لاعتبارات علمية بحتة بقدر ما هي لاعتبارات اجتماعية تدخل فيها مسائل كالوجاهة والتباهي والمظهرية, الى جانب اعتبارات تتعلق بأفضلية تدريس هذه المدارس للغات الاجنبية مقارنة بالمدارس الحكومية. ولا أود ان ألقي اللوم على أية جهة اخرى, فكل ما أردت الاشارة اليه بهذا الصدد ان ابناءنا يتعلمون في هذه المدارس ــ وما أكثرهم ــ ربما لا يخرجون بحصيلة علمية كافية فيما يختص بالمعرفة باللغة العربية وتذوقها, وربما نجدهم أكثر قدرة على التعبير عن ذاتهم بلغات أجنبية كالانجليزية والفرنسية, وما أقسى تلك المسألة بالنسبة لمن يدرك؟ وما الذي تعنيه اللغة بالنسبة للانسان بصفة عامة؟ وما الذي تعنيه اللغة العربية بالتحديد بالنسبة لنا كأمة عربية مسلمة؟ وأي مستقبل يُنتظر إن كانت هناك نسبة كبيرة من بين أبنائنا لا تجيد لغتها الأم, فهي لم تعد لغة التفكير والتعبير والتواصل بالنسبة له, أما عن تدريس اللغة العربية في المدارس الخاصة غير العربية فتلك مسألة أخرى سوف يتم التعرض لها في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة. رئيسة قسم العلوم السياسية ــ جامعة الامارات