السمك كما لا يخفى علينا ونحن نعيش قريبا من البحر كائن يعيش في الماء الحلو او المالح, اذا فبيئته التي يؤثر فيها ويتأثر بها هي البيئة المائية, هل يرى السمك الماء؟ لن اجيب عن هذا التساؤل الآن, ولكن ما علاقة هذا السؤال بالتربية ؟ هذا ما نريد معرفته, فالانسان يعيش في بيئة يؤثر ويتأثر بها وعادة بسبب عوامل الالفة قد يغفل الانسان عن اشياء كثيرة, فالذي يعيش في روضة من الازهار لن يشم عبقها بعد فترة من الزمن, او ربما يكون شذى الورود ليس له ذلك المعنى المنشود, وطالما استوقفني مشهد السواح وقد اوقفوا الحافلة قبل العين لالتقاط صور تذكارية مع الجمال او الكثبان الرملية والتي امر عليها اسبوعيا لكني لم افكر في النزول من السيارة لانني ألفت هذه المشاهد والعكس صحيح فعندما نسافر الى البلاد الخضراء تنقلب الصورة فنحاول ان نتصور مع الزهرة, والشجرة بل اننا قد نستلقي على العشب الطبيعي لاخذ صور تذكارية معه, اذا فالانسان يتعامل مع اشياء كثيرة في الحياة يتجاهلها في عالم الشعور او الوعي بسبب التعود او الالفة, دعوني اصور المشهد من عدسة اخرى لاقرب الصورة, هل تلاحظ الام طفلها وهو ينمو في الاسرة امام عينها كما يلاحظ ذلك من يزورها مرة كل شهرين؟ لاشك ان الام لا تلاحظ ذلك التغير المتدرج للطفل بسبب إلفتها له, اذا شئنا ام أبينا هناك امور نسقطها من حساباتنا بسبب الزمن الذي نعيشه. بعد هذه المقدمة دعونا نفتح صفحة ترتبط بها لكنها تغوص في اعماق التربية والتعليم وبالذات في الفترة الراهنة انها قضية الخبراء وهل هم اساس التطوير ام ان المعلم الذي يعيش في الميدان ينبغي ان يكون هو صاحب الامر بحكم انه يعيش في تلك البيئة, والحديث فيما يبدو لي ذو شجون تحتار فيه العقول ويصدق في ذلك الامر قول العربي: ان حارت الالباب كيف تقول في ذا المقام فعذرها مقبول وعذري انني اكتب هذا المقال وانا جالس في مكتب وكيل كلية التربية بجامعة الامارات مما يؤهلني لان اكون اكاديميا في تخصصي ولكن عيني الاخرى ممتدة الى الميدان فجل زملائي من المعلمين مدراء المدراس فهل سأكون في صف الخبراء ام مع اهل الميدان في هذه المناظرة هذا ما أتركه لعقل من يقرأ هذا المقال. الخبراء الخبراء ـ مع بعض الاستثناء ـ من وجهة نظر اهل الميدان هم مجموعة من حملة الشهادات العليا في التربية بعضهم لم يعمل طول حياته في مدرسة ومعظمهم لم يحمل كراسا ويقف معلما في مدارس دولة الامارات لذلك فهم مغيبون تماما عن واقع العملية التربوية, عادة ما يأتون الدولة لفترة وجيزة يسكنون فنادق الدرجة الاولى وخلال اقامتهم يقومون بزيارات لبعض المدارس التي تحددها لهم الوزارة, يستمعون الى ملاحظات الميدان ومن ثم يكتبون تقاريرهم بناء على خلفياتهم الاكاديمية وتجربتهم في بلادهم. بل ان البعض منهم يكتب تقريره في بلده ثم يرسله عبر وسائط الاتصال العادية او المتطورة ـ وفي كتابة تقاريرهم مدارس مختلفة فمنهم من يكتب تقريرا بناء على رغبة الجهة الداعمة فتكيف الاستمارات والابحاث لتصل في النهاية الى ما يريده المسؤول ومدرسة اخرى من الخبراء تقوم بأخذ الآراء المتطورة من الميدان وتصنفها بأسلوب اكاديمي ومن ثم تنسب الامر لها, ومجموعة ثالثة مقتنعة بتجربتها في وطنها الام والنتيجة العملية ان التقرير قد كتبه الخبير ربما قبل ان يدخل ارض الدولة وهؤلاء لهم تقارير متشابهة لكل بلد حطوا فيه الرحال, وفريق رابع يكتب تقريره بكل دقة ولكن مصيره يكون في مكتب المسؤول لعدم وجود من ينفذ ما ورد فيه من اطروحات, وقليلة هي تلك التقارير التي رأت النور في خضم العشرات من قوافل الخبراء الذين زاروا هذه الدولة, باختصار شديد من ملاحظات الميدان على الخبراء مايلي: 1 ـ منظرون وليسوا عمليين, بلغة اخرى لغتهم اقرب الى المكاتب منها الى الميدان. 2 ـ يحكمون على عمل سنة خلال اسبوع, حكمهم فيه شيء من الاستعجال الذي يقدح في مصداقية الامر. 3 ـ يحاول الخبراء زراعة الشجرة في غير محلها او دونما اعداد للبيئة لها مما يجعلها ميتة بعد ان يجف عنها ماء الفكرة مع رحيل القافلة. 4 ـ عملهم فردي نعني هذا انهم من فلسفات مختلفة ومتعارضة في بعض الاوقات وسوق الخبراء مفتوح لطرح القضايا من اكثر من زاوية, بلغة اخرى بإمكانك الحصول على الفكرة وضدها في نفس الوقت. اهل الميدان: في مقابل ما تم ذكره عن الخبراء هم كذلك لهم وقفات مع اهل الميدان, حيث ان الخبير يرى انه قد تخصص في نقطة وابحر فيها وعليه فهذا يعطيه حق ابداء وجهة النظر في مقابلة صاحبه الذي نسي العلم بعد حصوله على مهنة التدريس فلم يعد باحثا عن الجديد بل مقلدا ومطبقا لما تعلمه في الماضي مع وجود الاستثناءات, ومن زاوية اخرى اصبح الميدان خاليا من الابداع والتطوير حتى يأتي الفرج من عند الخبراء فهم اصحاب الفكر الجديدة والاطروحات العلمية الجميلة, وبحكم الفة اهل الميدان فإنهم لم يلاحظوا ان العالم قد تجاوز اساليبهم أو ربما عرفوا ولكنهم لم يسعوا للتغيير لرضاهم بالواقع من باب (ليس في الامكان افضل مما كان) او لان الجهات المختصة لا ترغب في البديل الميداني, فإذا اضفنا الى ذلك ان الميدان عادة لا يسمح بسبب زحمة الاعمال للانسان بالخروج عن بيئته للنظر اليها من الخارج ندرك عندها اهمية هذا الخبيرالزائر من العالم الآخر وقد احسن ابراهيم طوقان عندما عبر عن واقع المعلم بقوله: حسب المعلم غمة وكآبة مرأى الدفاتر بكرة وأصيلا ولن أزيد على ذلك من واقع الميدان لكي لا أتهم بمحاباة الخبراء, ولكني احاول ان انظر الى الموضوع من زاوية اخرى, هل بالامكان الجمع بين الطرفين والجواب نعم, اذا احسنا التعامل مع هؤلاء الخبراء وفق النقاط التالية: 1 ـ من الصعب علينا كتربويين ان نترك الامر في يد خبير مهما بلغ علمه فالعرب تقول: (من شاور الرجال شاركهم عقولهم) وعليه ينبغي ان يكون اداء الخبراء على شكل فرق وليس افرادا وان يضم الفريق اهل الميدان, فلو أردنا ان نطور اللغة العربية فمع الخبير نحن بحاجة الى معلم يعيش في الميدان وليس الموجه الاول, بعد ان نخفض نصابه او نعطيه اجازة محددة ولو اردنا ان نطور الادارة المدرسية نقوم بنفس العمل فنختار من المدراء من تؤهله امكاناته للتعامل مع الخبراء. 2 ـ لكي نستفيد من طرح الخبراء وفي نفس الوقت نضمن تكييف ذلك الامر مع متطلبات وخصوصيات الدولة لابد ان يترأس احد المواطنين لجان الخبراء وفي تصوري ان اعداد المواطنين القادرين على ذلك ليست بالقليلة, ولو كانت كذلك اصبح من الواجب علينا اعداهم لهذا الامر لكي لا تكون التربية دائما سلعة مستوردة. 3 ـ عندما نسعى في تكوين فريق الخبراء لابد من اختيارهم وفق معايير علمية وليس بالمعرفة الشخصية فالعاطفة جارفة عن الحق احيانا. 4 ـ العلم التربوي اليوم كثرت الاجتهادات فيه وتعددت مدارسة وتجاربه, وعليه فلا ينبغي ان نتعامل مع مدرسة واحدة من الخبراء بل ان العالم كله تجربة وعلينا ان نختار لدولة الامارات افضلها. 5 ـ لكي لا تظلم الخبراء لابد من تزويدهم بالمعلومات اللازمة عن طبيعة هذا المجتمع وحاجاته وخصائصه قبل وصولهم الى الدولة, لكي ينتقلوا نفسيا قبل انتقالهم جسديا. 6 ـ لضمان نجاح العمل ينبغي ان نربط كل خبير بنظيره من ابناء الدولة ليتعاون معه ويستفيد من تجربته وفي نفس الوقت لكي يتابع هذا المواطن مهمة الاشراف على تنفيذ البرامج الجديدة. 7 ـ في تصوري الشخصي ان الدور الاساسي للخبراء ليس اتخاذ القرار ـ (فأهل مكة ادرى بشعابها) بل ان مهمتهم ايجاد البدائل المختلفة, ونترك القرار لاهله على ان يرتبط القرار بمجلس وليس بفرد فقرارات التربية مصيرية, العالم اتجه الى جعلها جماعية. في نهاية الامر أؤكد على ان السمك لا يرى الماء على رأي زملائي في قسم الاحياء بالجامعة وكذلك الانسان قد لا يرى ما حوله من امور حتى يعينه غيره على ذلك. * وكيل كلية التربية E - Mail: K. Suwaidi a uaeu. ac. ae