مرة أخرى ــ وفي أقل من ثلاث سنوات ــ يتسابق المرشحون في الكويت لنيل شرف تمثيل الشعب في مجلس الأمة المقبل , وهو سباق حميد فلم يعد ثمة جدل كبير على ان الديمقراطية هي الطريق والوسيلة المضمونة لمواجهة الصعاب السياسية في مجتمعاتنا العربية التي غالبا ما تحتوي على فئات اجتماعية متعددة بشكل ما, اما عرقيا أو طائفيا أو فئويا أو حتى اقتصاديا, ويزداد المؤمنون بفضيلة الحوار في مجتمعاتنا قناعة بأن الديمقراطية هي الوسيلة المثلى للخروج من المأزق الناشئ من تعارض المصالح وتفاوتها بين فئات المجتمع المختلفة, والديمقراطية في أساسها, هي البديل السلمي والحضاري (للصراع) الأهلي, ولكن المعضلة الكبرى تتمثل في الاجابة عن السؤال: أية آلية يمكن أن تصل اليها لتحقيق ليس شكل الديمقراطية الخارجي, وانما أهدافها الجوهرية المبتغاة؟! في البلاد العربية تزداد القناعة بهذه الوسيلة وتتسع شعبية, سواء أكان المنادون بها من الجيل المجرب الذي يوشك أن يودعنا, والذي عرف رجاله عن قرب مساوئ المركزية حتى لو كانت ذات أهداف عظيمة (منهم على سبيل المثال لا الحصر الناصريون الذين عملوا مع عبد الناصر وعايشوه أو عشقوا أفعاله في وقت ما) أو ــ على الجانب الآخر ــ من الجيل الجديد نسبيا, الذي اكتوى شبانه بنيران الحرب الأهلية اللبنانية أو لهيب الصراع اليمني السابق, كما انه لا يوجد شك في إيمان الجيل الأكثر شبابا وحداثة بالديمقراطية, من واقع ما يستخدمونه أو يقتربون منه من أدوات ديمقراطية في الحصول على المعلومات, وأنا أخص هنا الكتلة الأضخم من هذا الجيل, وان كانت صامتة. لقد أردت أن أضرب هنا أمثلة انتقائية متفرقة تضيف شرحا للقارئ الذكي الذي لا يحتاج الى تأكيد بأن التسامح وقبول الآخر, خاصة على مستوى الرأي, وحل الصراع الاجتماعي سلما, هو الطريق الذي لاطريق غيره للسلام الاجتماعي. وحيث ان مفهوم (الديمقراطية) بذاته مفهوم مطاط, وله تجليات عديدة, ليس في وطننا العربي وحده, ولكن ايضا في أوطان متقدمة وأخرى نامية, فهو مفهوم واسع في تطبيق آلية للحكم, الا ان تفاصيل هذه الآلية مختلفة من بقعة ثقافية وجغرافية إلى بقعة أخرى, فهي في وطننا العربي تتعدد أشكالها من ديمقراطية حزبية لها طابع طائفي والمثل لبنان, أو ديمقراطية حزبية لها طابع قبلي والمثل في اليمن, كما ان هناك من يعتقد ان تعيين مجالس شورية هو الحل في الزمن والظرف الحاضرين والمثل بعض دول الخليج, وهناك من يعتقد ان الديمقراطية تحققها صناديق الانتخاب حتى وهي مظهر بلا مخبر, وبين جميع الفرقاء ثمة من يوافق على ان تكون المرأة جزءا من المجتمع السياسي, وثمة من يعتقد أن الوقت لم يحن بعد لمشاركة المرأة, بل ان بعض من سمح للمرأة بالمشاركة وجد ان الضغوط الاجتماعية تقلل, بل وتضعف من دورها في الحياة السياسية, والمثال ــ مرة أخرى ــ هو اليمن, وهكذا ترى الديمقراطية تتعدد بتعدد المجتمعات المطبقة لها, وتحمل أنفاس تلك المجتمعات وأطيافها, وهذه الديمقراطية في عالمنا العربي بقدر اختلافاتها, الا انها تتشارك في سلبيات تاريخية متشابهة. لقد سنت دساتير عربية عديدة فيما بين الحربين ــ في العصر الليبرالي العربي ــ تروم تطبيق (الديمقراطية) ولكنها عندما تصادمت مع الواقع, أزيحت هذه الدساتير وما نتج عنها من ممارسات بتأثير تيار الواقع الصعب والجارف, فأطيح بالتجربة الليبرالية في مصر بعد خبرة طويلة ومريرة, وبرضا من الشارع المصري وتصفيق شعبي للإطاحة بذلك النظام (الدستوري) ــ ولا أقصد هنا الملكي ــ لما بدا وكأنه فساد الأحزاب والتطبيق المنحرف للديمقراطية, لقد بكى البعض لاحقا على تلك الأيام, ولكن جاء بكاؤه متأخرا, ويتذاكر البعض اليوم شذرات من الممارسات المضيئة والتي ــ من بين أمور أخرى كثيرة ــ امتنع فيها حزب الوفد وهو حزب الأغلبية عن احتكار النقابات المهنية, ولو أراد ذلك لاستطاع, ولكنه ترك النقابات المهنية لأهلها حرة, وبتمثيل مشترك لكل الأحزاب المهمة فيها, وقد قرأت أخيرا مرثية (ديمقراطية) لموقف سعد زغلول الذي شتمه أحد الصحفيين واتهمه بالخيانة العظمى, والفساد المالي, فرفع عليه قضية وهو رئيس الوزراء, فحكمت المحكمة تبرئ الصحفي, على أساس ان سعد زغلول رجل عام! (بينما لم يستطع أحد ولفترة طويلة ــ بعد ذلك ــ أن يرفع قضية على ضابط بوليس بعد الاطاحة بالديمقراطية في الزمن الشمولي!). الشيء نفسه تكرر في العراق, إذ قدمت الممارسة الديمقراطية أيام حكم الأحزاب ــ على محدوديتها ــ أشكالا من الأمثلة التاريخية على وجود الحريات ومساحتها الواسعة, يبكي على جزء منها جيل عراقي كامل اليوم, أما في ليبيا فقد قامت المظاهرات في المدن الليبية ترفع شعار (إبليس ولا ادريس) وكان ادريس حاكما وسمح بتلك المظاهرات, فلما ذهب, نقل عنه قوله (قد يكون الله عز وجل قد استجاب لهتافات بعض الليبيين؟!). ما أريد أن أصل اليه من ذلك العرض الموجز لأحوال الديمقراطية في عالمنا العربي هو ان بعض ممارسات (الديمقراطية) قد تكون ملهية الى درجة انفضاض الناس عنها ومن حولها, وقد تكون ملهمة ان استطاع الحكماء قيادتها برفق وتؤدة وتجرد من المصالح الخاصة, والعمل على تحقيق خير الناس والوطن من خلالها, والأمر ليس سهلا أو بسيطا في الوضع الكويتي, فإضافة الى امتداد (خبرة) اساءة الاستخدام العربي للديمقراطية, هناك عاملان يضيفان صعوبة في وضع الديمقراطية الكويتية رغم انجازاتها المتميزة! العامل الأول هو ان الدستور الكويتي قد مضى على العمل به حوالي أربعين عاما, وهي فترة طويلة نسبيا, وان لاحظنا أمرين, الأول ان من وضع الدستور الكويتي قد نص في صلبه على مراجعته بعد خمس سنوات من التطبيق كسبيل لدعم الممارسة الديمقراطية, علما أكيدا من السالفين انه ــ أي الدستور ــ من صنع البشر, وان التطبيق سوف يظهر ــ ولاشك ــ بعض المثالب, لان النظرية في السلوك الانساني هي غير الواقع الممارس, كما ان المجتمع بحد ذاته متغير في حاجاته ومتطلباته, وفي وضعه الاقتصادي والسياسي, فعلى سبيل المثال, لا يوجد أحد في وضع اقتصادي صعب يستطيع أن يقدم فرص عمل كاملة في الدولة, الا على حساب المجتمع ككل, أما السبب الثاني, فهو ان كل التجربة الانسانية في وضع الدساتير قد أدخل عليها المجتمع شيئا من التعديل سواء في الهند أو الولايات المتحدة أو اليابان أو أي مجتمع سياسي آخر, الاستثناء الوحيد ــ في العالم ــ هو الكويت, وايطاليا, ولا حاجة للتذكير بالأزمات السياسية المتكررة فيهما. المعضلة التي تواجه الديمقراطية الكويتية اليوم في الواقع العملي هي ان جميع الأطراف لا تريد أن تناقش أو تقترب من هذا الموضوع على حيويته وأهميته, ولا تريد أن تمارس صقلا للمرأة الديمقراطية الكويتية, ومالا يصقل يصدأ, وبالتالي يصبح النص وتفاسيره المختلفة ــ خاصة في المنعطفات التي تختلف عليها فئات المجتمع ــ موضع شد وجذب وأزمات متكررة وعبئا أكثر منه عونا, والمفترض ان الممارسة الديمقراطية هي ايجاد الحلول, لا وضع العقبات. ولا أظن أن هناك عاقلا يريد في هذه المرحلة الحرجة من التطور السياسي الكويتي المساس بالدستور, ولكنني من القائلين ان الامر لابد وأن يطرح في وقت ما في المستقبل القريب, لأن التجمد هو مخالف لطبيعة البشر وسنة الحياة. أما العامل الثاني في زيادة صعوبة الوضع الديمقراطي الكويتي, فهو ان آلية العلاقة بين الأعضاء (وهم يشكلون في الغالب تمثيلاً لأوضاع فردية لا تعبيراً عن اتجاهات مجتمعية) وبين الوزراء (الذين هم ايضا تعبير فردي) هذه العلاقة بين الوزراء وبين المجلس في معظمها غير صحية, لأن الظاهرة التي تفشت فأصبحت من ملازمات العمل السياسي الكويتي هي ان بعض الوزراء (اتقاء للشر أو طلبا للنصرة) يقدمون خدمات لبعض الأعضاء, بعضها ــ ان لم يكن الكثير منها ــ خارج عن المألوف, بل وعن القانون (الذي من المفروض أن يحترمه الجميع) مثل التوظيف لغير المؤهلين أو الترقية لغير المستحقين, مما يسبب غبنا لآخرين, وانتفاعا للأعضاء من الدولة, وترسيخا لظن الجمهور ان (حقوقهم) لا تأتي الا بتوسط الأعضاء, كما ان الأعضاء يتوسطون طلبا للأصوات, وهكذا تمضي الأمور في عملية دائرية (تكاد تكون جهنمية) لا فكاك منها. في الواقع, ان الأزمات السياسية المتكررة في الكويت أصبحت (سندروم), ليس لها ترجمة عربية دقيقة ولكن الأقرب أنها أعراض مرضية متزامنة تأتي مجتمعة ويزيد كل منها من شدة المرض, انها سندروم الفشل في ايجاد الحلول. في هذا المجتمع تتعدد المصالح وتتضارب, ويفترض ان الديمقراطية, ومن ثم الدولة, تقوم بحل هذه التناقضات في المصالح حلا متوازنا بين الفئات المختلفة, ولكن لأن هذا الحل غير مؤمل, تتنازع بعض فئات المجتمع في سبيل حل مصالح فئاتها على حساب مصالح الآخرين من الشعب. لا يستطيع عاقل ايضا ــ في ظل الظروف القائمة ــ أن يقول ان (المجلسين) يفتقدان الحكمة والشجاعة, الا ان الأقلية الشجاعة والحكيمة, اما انها تنقاد للعامة بسبب الاحراج السياسي, أو رغبة في البقاء على سطح الماء السياسي المتلاطم, حيث ان الطوفان غامر, والفرد بالضرورة يتبع الجماعة, فتغيب الحكمة, ان أهم ما يعوق تطور الديمقراطية في الكويت هو غياب الرأي الآخر, ليس لأنه غير موجود, ولكن لأنه غير منظم, فهناك بعض الأصوات التي تطالعنا بين فترة وأخرى تقدم الفكرة الجيدة والناضجة, ولكنها سرعان ما تغيب بين الأصوات الكثيرة الزاعقة بالشعارات, أو تغيب نتيجة (الارهاب الفكري). أمامنا طريقان يبدوان ان لا ثالث لهما, فإما ان يصار الى اقتناص فرصة الحملات الانتخابية لتقديم نقد بناء, ليس بالضرورة ذا طابع أو هدف انتخابي, ولا من المعقول ان يشارك فيه من يريد الوصول الى الكرسي البرلماني, خلال هذا النقد البناء, نقيم التجربة تقييما حرا من قبل مستقلين, وهذه المهمة يقوم بها متابعون عارفون يتمتعون بالشجاعة والموضوعية, السير في هذا الطريق هو تمهيد لعدم الدخول في الطريق الثاني وهو الولوج من جديد في أزمات جديدة تعيدنا الى المربع رقم واحد (السندروم) الذي ما فككنا منه رقابنا منذ أربعة عقود تقريبا. هناك من المسكوت عنه في الواقع الكويتي الكثير, ولايبدو انه على الأجندة السياسية للنيابيين من واقع ممارسات المجلس السابق, وهو مما لايمكن حصره في مقالة واحدة, مثل اصلاح التعليم, وهو المدخل الحقيقي لكويت القرن الواحد والعشرين, أو انتشار المخدرات التي تأكل من شبابنا صفوفا طرية, وتقصف زهرة شبابهم, أو مثل القصور في آلية العمل في المجلس والحكومة, وهناك غياب آلية المحاسبة للسلطتين التشريعية والتنفيذية من داخلهما, وهناك تساؤل: هل لدينا مجلس أمة أم مجلس من خمسين نائبا كل يمضي على هواه؟ وهناك سؤال: من يقوم باصلاح المؤسسة الرقابية, وهل هي الأولى المطلوب اصلاحها أم ان اصلاح المؤسسة التنفيذية هو الأولى؟ تلك بعض الاسئلة المسكوت عنها في الممارسة السياسية في الكويت, ولابد من تكاتف العقول ــ بعيدا عن التحزب للرأي ــ للنظر فيها. الديمقراطية في نهاية المطاف هي (ثقافة) تمزج الحرية المنظمة بالمساواة القانونية بالشفافية في التطبيق, وهي فهم اجتماعي لقبول التعددية, وهي بكل تأكيد ليست فقط صناديق انتخاب, ولا أعضاء خمسين أو أكثر, وربما ليست نصوصا فقط. لذا, فإن من الأوفق العمل ــ مهما كان العمل بسيطا ــ وبجهد مضاعف, على جبهة التثقيف الديمقراطي لا السياسي, ... وبينهما فروق!