أنهت الحكومة الكويتية تناقضا صارخا في حياتها السياسية بمنح المرأة حق الترشيح والانتخاب معا اعتباراً من 2003, فقد ظل حرمان المرأة من هذا الحق الدستوري نقيصة في حق الكويت التي وصلت إلى مستوى متقدم من التطور السياسي والاجتماعي, لا يتفق من ناحية مع تطور المؤسسات الدستورية والسياسية فيها ولا مع تطور المرأة الكويتية نفسها, اجتماعيا وثقافيا على السواء من ناحية أخرى. وهكذا فإن قرار مشاركة المرأة في الحياة السياسية عبر البرلمان, اقتراعا وترشيحا, بقدر ما انهى هذا التناقض الصارخ, فإنه في الوقت نفسه انهى جدلا طويلا, وعقيما, حول حق المرأة الكويتية الدستوري في مشاركة الرجل في الترشيح لمجلس الأمة وفي التصويت على المرشحين واختيارهم, كان إلى أمس يلقى معارضة شديدة من الحكومة نفسها, التي كانت تجنب نفسها فتح هذا المجال, خوفا من مزيد من المشكلات السياسية في البلاد. غير ان الحكومة الكويتية, ممثلة في الأمير والأسرة الحاكمة, كانت باستمرار وتاريخيا صاحبة المبادرة في دفع الحياة السياسية قدما إلى الأمام, وذلك بالاستجابة المتحضرة لمطالب الكويتيين عندما تنضج هذه المطالب وتأخذ شكل التحول التاريخي المطلوب من عهد إلى آخر في تناغم ساحر بين الحكومة وشعبها, حتى مع وجود خلافات في الرأي واختلافات في المنهج والأسلوب, هو نفسه من أسرار هذا التناغم ومن مزيجه السحري. وبطبيعة الحال فإن قرار مشاركة المرأة سوف يشهد خلال السنوات المقبلة, وعبر مجلس الأمة المقبل الذي سيعرض عليه القرار, مزيدا من الجدل بين أكثرية مؤيدة بانضمام الحكومة إلى التيارات الديمقراطية والليبرالية التي تطالب منذ زمن بحق المرأة في المشاركة, وبين اقلية معارضة تتمثل في التيارات الدينية, ومنها التيار الذي يوافق على نصف حق للمرأة, أي حقها في التصويت, ويستكثر عليها حق الترشيح, مع اتجاه عام يبدو واضحا نحو قبول مشاركة المرأة على نحو حاسم. مع ذلك فمن غير المستبعد, بل والمتوقع ان يشكك من يشكك في قرار الحكومة ويعتبره خلطا للأوراق عن طريق توسيع قاعدة الناخبين إلى الضعف تقريبا والتأثير بالتالي في هوية وشكل المجالس المقبلة بعد العام 2003, ومحاولة من الحكومة لكسب تأييد المرأة عبر التصويت لمرشحين أقرب إلى نهج الحكومة, وهو تشكيك ان ظهر, لن يقلل من أهمية هذا التطور السياسي في حياة الكويتيين, وفي المسار الديمقراطي, فاللعبة الديمقراطية في المحصلة النهائية, بين الحكومة والمعارضة وبأي شكل من الأشكال تحدث التطور المطلوب في الحياة العامة في البلاد. وبما ان القرار هو تقدير للمرأة الكويتية وتتويج للمستوى الذي وصلت إليه علما وثقافة ومشاركة وحضورا اجتماعيا في الحياة العامة في الكويت, بما في ذلك تقدير دورها الكبير في تحرير وطنها من الغزو العراقي, فان القرار في الوقت نفسه يضاعف مسؤولية المرأة الكويتية برفع هذه المسؤولية إلى درجة مشاركة الرجل ومساواته في الواجبات لا في الحقوق وحدها, ما نعتقد ان المرأة في الكويت أهل لمثل هذه المسؤولية. ونختم بأن الكويت انضمت بقرارها هذا, إلى مجموعة الدول كاملة الديمقراطية, التي تمنح نساءها حقوق المواطنة الكاملة, وهي على أعتاب الألفية الثالثة, بوصف المرأة عنصر بناء وعمل وتنمية, فيضيف قرارها نصرا لا إلى مسيرة المرأة ونهضتها ومؤاخاتها بالرجل فحسب, ونيل حقوقها, من حيث فشلت هي نفسها في نيلها في أكثر دول العالم, بما في ذلك دول عريقة ديمقراطيا, وإنما يضيف نصرا, للكويت كلها, وطنا وحكومة وشعبا, لأنها انحازت سابقا وتنحاز حاليا إلى المستقبل, فيما غيرها لا يزال منحازا إلى الماضي.