حدثونا كثيرا, وقرأنا كثيرا, وسمعنا أكثر عن موضوع الغزو الثقافي وبرغم كل ما قيل, والزمن المهدور في الخوض في هذه القضية إلا ان الغزو ما زال مستمرا لسبب لم ننتبه إليه بشكل جدي هو اننا لم ننتج فعلا ثقافيا ايجابيا حاضرا يملأ حيزا ولو متواضعا في فراغ حياتنا العلمية والثقافية في طريق التصدي الحقيقي لهذا الغزو. لقد وقفنا دائما في البقعة الرخوة وتركنا لذلك الخطر مواقع القوة والعطاء والانتاج, تخصصنا حتى الادمان في المؤتمرات والخطابات والمجلدات والملفات والحلقات الدراسية و... وكانت النتيجة ان تكرس الغزو بشكل أقوى وفقدنا حصانة المعارضة تماما. لقد نجح الغزو الثقافي لسبب لا نريد أن ننتبه له أبدا هو ان جميع الشعوب الحضارية مارست الغزو بكل أشكاله وخضعت أيضا للغزو بكل أشكاله, أي انها تحاورت بالفكر والسلاح منفردين ومتحدين ــ كما يذكر صادق العظم في كتابه ذهنية التحريم ــ وفي بعض الأحيان كان يتحول الغازي عسكريا إلى مغزو ثقافيا, وعليه فإذا أردنا أن نقضي على هذا الغزو أو نتخلص منه ومن تأثيراته فعلينا أولا أن نعرف مواقعه بدقة كي نعمل على إيقافه بدل الامعان في قضية الحديث عن أخطاره وأسبابه وآثاره إلى درجة الاستغراق, فالمعروف ان الغازي لا يتوقع منه فعلا ايجابيا تجاه من يغزوه, المتوقع منه هو الخطر والتأثير السلبي في بنية المجتمع الذي يقوم بغزوه طبيعي جدا. وعليه فلا بد من القضاء على أو اصلاح البنية الثقافية التي يعمل الغزو الثقافي من خلالها في المجتمعات العربية وهي تقوم في المقابل بتسهيل أعماله وغزوه وخدمته نتيجة علاقات مصالح قديمة جدا تعود لعصور الانحطاط. ومهم أن نعي أن الغزو الثقافي لا ينجح في التأثير على المجتمعات التي يغزوها وبشكل فاعل وعميق ــ كما يؤكد صادق العظم ــ الا بمقدار خوائها الثقافي, فحيث توجد ثقافة حية نامية قوية ومتحركة تتعامل بندية وتحد مع مشكلات العصر وهنا ينكمش تأثير الغزو ويميل فعله إلى التلاشي. القضية إذن ليست قضية وسائل اعلام ووكالات يهودية فقط, إنها أكبر من ذلك, إنها بنية قوية عميقة متجذرة تحتاج إلى مواجهة وفي العمق وبشجاعة. وللحديث صلة