رخاوة النخبة الوطنية المثقفة: هذا هو وجه الشبه الأكبر والقاسم المشترك الأعظم بين قضية شعب كوسوفو وقضية الشعب الفلسطيني . هذا لا ينفي بالطبع وجود أوجه تشابه أخرى يكاد بعضها يكون بمثابة وقع الحافر على الحافر. فالصرب أقلية عرقية ــ دينية (مسيحيون أرثوذكس من أصل سلافي) تجبر أغلبية عرقية ــ دينية (مسلمون من أصل ألباني) يشكلون 90% من السكان على الرحيل الجماعي القسري خارج الاقليم الوطن (كوسوفو). ضع اليهود مكان الصرب, والفلسطينيين مكان الأغلبية الألبانية المسلمة لتكتمل لديك ملامح الصورة المشتركة. أما المأساة المشتركة فإنها تتصل برد الفعل أكثر مما تتصل بالفعل نفسه, فرد الفعل في الحالتين يعكس رخاوة النخبة الوطنية المثقفة وزهدها في مصادمة الخصم وافتقارها عموما إلى الجسارة وروح التضحية مع تفضيل القول على الفعل والنضال الخطابي على النضال الميداني. وفي هذا السياق لفت انتباهي تحقيق في مجلة (اكونومست) اللندنية يشرح أحوال وأوضاع (الانتلجنسيا) الألبانية الكوسوفية في المنفى بما يعيد إلى الذهن العربي حال وصيفتها الفلسطينية والمأزق الذي وصلت إليه الآن. كاتب التحقيق يطلق على النخبة الكوسوفية (الطبقة الثرثارة) .. ويقول ان التشريد القسري من الوطن كان بالنسبة إلى أفرادها انتقالا من مقاهي بريشتينا (عاصمة اقليم كوسوفو) إلى مقاهي تيرانا (عاصمة ألبانيا المجاورة) وتيتوفا (إحدى المدن ذات الطابع الألباني في مقدونيا). وربما تقول لنفسك (أين رأيت مثل هذا المشهد؟) .. ثم تستذكر قدامى القيادات الفلسطينية الذين هربوا من الرعب اليهودي الدموي في يافا واللد عام 1948 ليبدأوا الكفاح الكلامي في مقاهي القاهرة, وبيروت ودمشق وعمان. الآن صارت مقاهي تيرانا وتيتوفا الملجأ المفضل للأدباء والأكاديميين والسياسيين من نخبة أهل كوسوفو المشتتين في عراء المخيمات. ثلاثة أرباع شعب كوسوفو, وأغلبيتهم من صغار الفلاحين, هم الآن خارج وطنهم يقتاتون الحزن واليأس في مدن الخيام البائسة التي قامت فجأة في ألبانيا ومقدونيا, لكن حال نخبتهم المثقفة مختلف فقد استثمر هؤلاء كمهنيين مثقفين علاقاتهم واتصالاتهم في ألبانيا ومقدونيا من أجل تفادي مدن الخيام (البروليتارية) فكان نصيبهم الفنادق الفاخرة أو مواصلة الهجرة إلى ترف برلين ولندن.. والولايات المتحدة. وخز الضمير دفع بأحدهم إلى الحديث بصدق مع كاتب التحقيق.. ربما لانه شاعر.. فقد انفجر قائلا انه يقاطع (مطعم أربي) في تيرانا الذي يؤمه نجوم نخبة كوسوفو. ثم قال: انهم لا يفعلون شيئا سوى ما كانوا يفعلون في الوطن: كلام ومناقشات.. وأحيانا التحدث في مقابلات صحفية مع مراسلين أجانب. والقول الفصل جاء على لسان مدير تحرير صحيفة كوسوفية اضطرت للانتقال إلى مقدونيا لمعاودة الصدور من هناك. يقول ان سياسيي كوسوفو (يواجهون الافلاس السياسي والعسكري والأخلاقي) ! وليس من الانصاف قطعا أن نحصر التشابه في النخبة الفلسطينية. هكذا أيضا كانت وظلت النخب العربية الأخرى في تفاعلها مع قضايا مصيرية مثل غياب الديمقراطية في الوطن العربي عموما والتبعية الاقتصادية والسياسية لقوى خارجية. لكن الفرق بين النخبة الفلسطينية والنخب العربية الأخرى هو ان الشعب الفلسطيني فقد وطنا بأكمله لا يزال بعد أكثر من نصف قرن يحاول استرداد مجرد جزء منه دون أن تلوح في الأفق القريب مؤشرات بنجاح قاطع. ومع ذلك تبقى السمات الرئيسية المشتركة بين النخب العربية كافة بما فيها النخبة الفلسطينية قائمة: تقديس الطموح الشخصي وايثار السلامة الذاتية وتفضيل المسالك التي لا تقود إلى صدام حاسم. ويبقى السؤال الأخير: هل تطالع نخبة شعب كوسوفو التاريخ العربي المعاصر؟ وهل تأخذ منه موعظة إذا قرأته؟