هل يكفي ان نتكرم نحن العرب بترشيح واحد من سلالتنا الشريفة مديرا عاما لليونسكو لكي يسارع العالم بتلقف هديتنا شاكرا ممتنا؟ وهل خلت ساحة المنافسة الدولية على هذا المنصب الثقافي الرفيع امامنا كي نمارس رفاهية طرح اسمين عربيين للترشيح , على الرغم مما يعنيه ذلك من احتمال كبير لتفتيت الاصوات في غير صالحنا, لدرجة ان البعض قد اعتبر ان المنافسة ستكون عربية ــ عربية, وكأن العالم كله قرر الجلوس في مقاعد المتفرجين انتظارا لما ستسفر عنه المباراة العربية, التي اعتبرناها بمثابة المباراة النهائية حتى قبل ان تبدأ المنافسة فعليا بين سبعة مرشحين من آسيا وافريقيا واوروبا في هذا الماراثون الانتخابي الطويل الذي لن تعلن نتيجته النهائية الا في نوفمبر المقبل موعد انتهاء فترة المدير الاسباني الحالي فريدريكو مايور. اقول ذلك تعليقا على ترشيح علمين عربيين كبيرين للمنصب, هما الدكتور غازي القصيبي سفير المملكة السعودية بلندن والشاعر والمفكر المعروف, والدكتور اسماعيل سراج الدين من مصر نائب رئيس البنك الدولي وصاحب الخبرة الدولية الطويلة في مجالات التربية والتعليم والعلوم والاقتصاد والتنمية. وبصرف النظر عن الاستطراد في محاولة التحليل النفسي للسيكولوجية العربية التي يبدو انها اصبحت تعاني من مرض (الشيفونية) وتضخم الذات, نتيجة تلهفها على تحقيق نصر ثقافي حضاري (تعويضا) عن هزائمها في ميادين اخرى كثيرة, فان ماينبغي التأكيد عليه ان كون المرشح عربيا وكونه ذا قيمة ادبية وفكرية لاتنكر لن يكون كافيا في حد ذاته لضمان الفوز بالمنصب, لدرجة ان احدى الصحف تتحدث عن ذلك المرشح الذي (ينتظره العرب والعالم كأول عربي يشغل المنصب الثقافي الاول في العالم) !! لقد اكتفينا بمعايشة (حلم اليقظة) الجيل دون ان نحاول ــ بموضوعية ــ تقصي قائمة المرشحين ورصيد كل منهم ونفوذ الدول التي يمثلها المرشحون وطبيعة الخريطة الانتخابية والتوزيع الدولي المحتمل للاصوات التي ستحدد ذلك الشخص الذي سيدير شؤون الثقافة والتربية والعلوم في العالم. سيناريوهات معقدة على الرغم من ان الجمعية العامة التي تتكون من 186 دولة هي صاحبة الحق في التصديق النهائي على اسم المدير العام لليونسكو, الا ان المجلس التنفيذي لليونسكو والذي يضم 58 دولة هو الذي يختار واحدا فقط من المرشحين للاقتراع عليه في الجمعية العامة. وبالتالي فان المجلس هو الذي يحسم الامر عمليا, من خلال اعضائه الذين يتوزعون بين 6 عرب و 14 افريقيا و 12 آسيويا و 8 من اوروبا وكندا و10 من امريكا اللاتينية. ويبدو أنه قد حدث اتفاق دولي غير رسمي وغير معلن على اتاحة الفرصة هذه الفترة لمدير من احدى المنطقتين العربية والآسيوية, وبناء عليه فقد ترشح اربعة آسيويين اضافة الى المرشحين العربيين, كما وردت انباء لم تتأكد بعد عن اختراق اوروبي لهذا الاتفاق غير الملزم, من خلال ترشيح وزير الثقافة الروماني بدعوى تمثيله لمنطقة اوروبا الشرقية بعد ان اخذت اوروبا الغربية فرصتها مع المدير الاسباني الحالي. ويمكن تصور العديد من الاحتمالات والسيناريوهات النظرية, الا ان ما سيحسم الامر علي ارض الواقع هو المؤهلات الموضوعية التي يحملها كل مرشح, اضافة الى النفوذ الثقافي والسياسي لدولته والاهم من ذلك مدى وجود الارادة السياسية من قبل دولة ما لاستخدام نفوذها في دعم مرشحها وممارسة الضغوط الجادة لكسب الاصوات في (الكواليس الانتخابية) وهو الامر الذي يخرج عن قدرة المرشح, وكان من الامثلة البارزة على هذا الامر ما لوحظ من تراخ اوحياد من قبل جهاز الدولة المصري في دعم سراج الدين, فسره البعض كموقف سياسي نتيجة لوجود مرشح عربي, آخر هو القصبي, وهو الموقف الذي انتقده المثقفون المصري, الذين دعوا الدولة الى مساندة مرشحها في منافسة عربية شريفة لاتقل من شأن واعتبار المرشح العربي الآخر. زحف ياباني وبعيدا عن الحسابات (النظرية) للاصوات, يبدو ان موازين القوة الآسيوية (الواقعية) لايستهان بها, فالمرشح الاندونيسي والمرشحة الفلبينية هما عضوان بالمجلس التنفيذي الحالي لليونسكو, مما يضفي عليهما قدرا كبيرا من المصداقية نتيجة لالمامهما بفكر المنظمة وسياستها الثقافية في العالم, كما يتيح لهما فرصة اكبر لاستيعاب ومتابعة موازين التكتلات والمناورات الانتخابية الجارية الآن وحتى موعد التصويت. على ان فرصة آسيا الحقيقية تتمثل في وجود مرشح قوي هو سفير اليابان في فرنسا, والذي يأتي ترشيح بلاده له ضمن استراتيجية متكاملة تستهدف دورا ثقافيا يابانيا نشطا في العالم, ربما تعويضا عن دورها السياسي والعسكري المفتقد, وبالتالي فمساندة الدولة وضغوطها لصالح مرشحها ستكون ملموسة مقارنة باي مشرح آخر اضف الى هذا النفوذ الياباني الراهن في المنظمة التي تعد اليابان بمثابة الداعم الرئيسي لها, اذ تتحمل وحدها 15% من ميزانيتها, وذلك في سياسة معاكسة تماما لموقف الولايات المتحدة الامريكية التي تقاعست عن تسديد التزاماتها منذ خلافها مع سياسات اليونسكو التي كان قد ارسى دعائمها المدير عام الافريقي السابق احمد مختار امبو. واخيرا فان الحق الادبي لليابان في الفوز بالمنصب لاشك فيه من وجهة نظر العديد من المراقبين, اذ انها تستند الى اسهام ملموس في تطوير اهم المداخل الاساسية التي استقرت في عمل اليونسكو خلال السنوات الأخيرة, الا وهو اكتشاف الدور المركزي لمنظومات القيم الثقافية للشعوب في دفع ــ لا تعويق ــ عملية التنمية الشاملة, وهو الجهد النظري والعلمي الرفيع الذي تبلور من خلال تبني اليابان لمشروع بحثي ضخم هو مشروع (البدائل الثقافية ــ الاجتماعية للتنمية) في جامعة الامم المتحدة بطوكيو منذ عدة سنوات .. كل هذا يعطي لليابان نفوذا ومصداقية كبيرة للفوز بالمنصب, خاصة اذا ما استطاعت اقناع المرشحين الآسيويين الآخرين في نهاية المطاف بالتنازل لصالح مرشحها لتضمن بالتالي ان تبدأ المنافسة وفي جيبها اثنا عشر صوتا آسيويا وهي بداية لاسيتهان بها. فرصة العرب * هل يعني ذلك ان فرصة العرب غير قائمة؟ بالطبع لا. ولكنه يعني انها فرصة صعبة تستدعي وضع المصلحة العربية فوق كل اعتبار قطري. واذا كانت فرصة الاتفاق على مرشح عربي واحد قد فاتتنا, نتيجة لتعجل كافة الاطراف وعدم اتاحة فرصة التأمل الهادىء والمتعمق لفرصة المرشحين, فلا تزال لدينا فرصة اخرى للظهور امام العالم كأمة تملك من القيم ماهو جدير بكل احترام, واقصد اعمال احد المبادىء التي استقرت في فكر وممارسة اليونسكو ذاته, الا وهومبدأ (المنافسة العقلانية النزيهة) , والحق ان المتابع لكافة الاطراف العربية لايشك لحظة في رقي المنهج الاعلامي المستخدم من قبل المرشحين العربيين, بداية مما يبديه كلاهما من احترام كامل للمرشح الآخر,بل ان الصحافة العربية عبرت عن عن تغطية موضوعية ومتوازنة, فنشرت بعض الصحف مقالات مؤيدة لكلا المرشحين في ذات الوقت, ويمكن هنا المقارنة مع التنافس بين ألمانيا وفرنسا على بعض المناصب في مؤسسات الوحدة الاوروبية هو تنافس جرى في جو من الاحترام المتبادل دون ان يكون في ذلك ما يشين أياً من البلدين,على احترامنا كعرب لمرشحينا, اضافة الى احترام العالم لهما, يمكن ان يصل الى ذروته حال اقدام احدهما على التنازل للآخر طواعية في اللحظات الاخيرة السابقة على قرار المجلس التنفيذي الذي سيتلو لقاءاته مع المرشحين خلال الفترة من 10 ــ 17 سبتمبر المقبل. * هل لدينا رؤية ثقافية؟ ولا اظن ان أياً من المرشحين العربيين كان بحاجة الى ذلك التأييد العاطفي الذي طبع بعض الكتابات العربية, بقدر ما هما بحاجة الى حوار قومي بين المثقفين العرب في محاولة للاجابة ــ من منظور عربي ــ على العديد من الاشكاليات الثقافية التي يفرضها عصر العولمة مع بداية الفية جديدة,ويمكن في هذا الحيز المحدود الاشارة الى عدد من هذه الاشكاليات املاً في حوار يشارك فيه المثقفون العرب: ــ حضارة عالمية ام تعددية ثقافية: هل ينبغي الحديث اليوم عن حضارة عالمية واحدة نشأت في الغرب خلال القرون الخمسة الاخيرة, وتسللت قيمها ــ ولا تزال ــ الى اركان المعمورة الاربعة, ام نذهب مع كلود ليفي شتراوس عالم الحضارات الاشهر فيما ذهب اليه من ان الاسهام الحقيقي لحضارة ما انما يتمثل في تفردها واختلافها عن غيرها من الحضارات وان مصطلح (الحضارة العالمية) لا ينبغي ان يكون له معنى سوى تعايش الثقافات بكل تنوعها. ــ حوار الحضارات ام تصادمها: هل يعترف الغرب بحاجته الماسة الى حوار مع الحضارات الاصيلة والقديمة في تاريخ البشرية؟ حوار يعينه على الخروج من ازمته الروحية و الاخلاقية التي يعانيها كما يرى روجيه جارودي, ام يظل الترويج لنظرية صدام الحضارات التي وضعها صامويل هانتنجتون هو الشعار السائد والمحرك لسياسات القوى الكبرى في الغرب؟ ــ نهاية التاريخ العالمي ام تعدد التواريخ القومية: هل وصلت البشرية مع نظام (حرية السوق) بكل ما يحمله من دلائل على انعدام العدالة سواء بين دول الشمال والجنوب او داخل المجتمع الواحد, هل وصلنا مع هذا النظام الى النموذج الامثل الذي ينبغي على كافة المجتمعات اتباعه, ام ان المجال لا يزال مفتوحاً امام ابداعات بشرية ملائمة لخصوصيات كل مجتمع؟ ــ حق التدخل ونهاية سيادة الدولة هل انتهت سيادة الدولة فعلاً؟ وهل آن الاوان للحديث عن (الحكومة العالمية) ؟ هناك لجنة بهذا الاسم تمارس عملها منذ سنوات تحت مظلة الامم المتحدة, وهل يمكن لهذا الحق ان يصل الى حد التدخل في الشؤون الثقافية التي تتعلق بقيم كل شعب من الشعوب, خاصة وان البعض بدأ يطلق احكاماً تعسفية على بعض الثقافات في الجنوب بأنها ثقافات (غير جديرة بالاحترام) !! ــ حقوق الاقليات, ثقافية ام سياسية: هل ينبغي ان يقف شعار حقوق الاقليات ــ وهو شعار صحيح ــ عند حد الحقوق الثقافية للأقلية في اطار اندماجها وتفاعلها داخل مجتمعها؟ ام ينبغي لهذا الشعار ان يتجاوز حدوده وصولاً الى الانفصال السياسي مما يهدد بتفكيك الكيان الاجتماعي للعديد من الدول خاصة في الجنوب. وغيرها من المشكلات الثقافية ــ السياسية التي ينبغي ان يكون لليونسكو موقف منها, خاصة بعد تشابك الثقافة بالسياسة بشكل غير مسبوق خلال السنوات الاخيرة.