حلف شمال الاطلسي الشهير بالــ NATO هو تحالف سياسي عسكري يجمع بين ضفتي المحيط الاطلسي تم انشاؤه في الرابع من ابريل عام 1949 ويهدف اساسا لتحقيق الامن والسلام في القارة الأوروبية التي اشعلت حربين عالميتين في هذا القرن الذي ادرك منتهاه . طبقا للمادة 51 من ميثاق الامم المتحدة, فانه يجوز للدول الاعضاء ان تتخذ من الاجراءات الفردية أو الجماعية ما تراه مناسبا للدفاع عن النفس في حالة تعرضها لهجوم عسكري حتى يتخذ مجلس الامن الاجراءات الضرورية للحفاظ على السلم والامن الدوليين, على ان تقوم الدول الاعضاء باخطار مجلس الامن فورا باجراءاتها. وقد شهد ذلك الحلف مؤخرا تطورات جديدة تتواكب مع المتغيرات التي طرأت على العالم بعد انتهاء الحرب الباردة, وبدأ يمد اطرافه كي يأخذ تحت جناحيه بقايا حلف وارسو شرقا, وبعض مناطق جنوب البحر الابيض المتوسط, وفي هذا الاطار بدأ الحلف في استخدام ادوات جديدة مثل مجلس الشراكة الاوروبي / الاطلسي, والمشاركة من اجل السلام, وميثاق الاطلسي / اوكرانيا, والتفاهم الاطلسي / الروسي, وفي عام 1991 اجتمع زعماء التحالف في روما حيث اتفقوا على وضع مفهوم استراتيجي جديد يرتكز على تعريف اوسع للامن يعتمد على التعاون والحوار, واعادة هيكلة القدرات العسكرية حيث يمكنها المساهمة في عملية ادارة الازمات وكذلك الدفاع الجماعي, وتحمل الجانب الاوروبي مسؤولية اكبر في الدفاع عن نفسه. الا ان اجتماع القمة الاخير الذي عقد في مدريد في يوليو ,1997 قد حدد بوضوح ان الحلف سوف يستمر في الدفاع عن اعضائه, والمحافظة على الاستقرار من خلال انضمام اعضاء جدد, وانشاء مجلس الشراكة الاوروبية / الاطلسية, وتحسين العلاقات مع روسيا, وانشاء آلية الحوار المتوسطي للمحافظة على الامن والاستقرار في منطقة البحر الابيض المتوسط. وتأتي الضربات الجوية ضد يوغسلافيا كتطبيق مثالي لاحد اهم اهداف الحلف, وهو المحافظة على الامن والاستقرار في اوروبا, ولكن السؤال الذي يطرح نفسه فورا هو مدى الشرعية الدولية لهذه الضربات؟ وعما اذا كانت هناك اوجه للمقارنة بالحالة العراقية؟ بادىء ذي بدء لابد من التسليم بان ما اقترفه النظام الصربي في كوسوفو هو انتهاك صارخ لحقوق الانسان, فضلا عن ان الجرائم التي ارتكبت تدخل بغير مناقشة تحت اطار جرائم ضد الانسانية بما يرتب مسؤولية دولية على عاتق ذلك النظام, ولكن هل يبرر ذلك قيام دولة اخرى أو مجموعة دول بتوجيه عمل عسكري ضد النظام لاجباره على التوقف عن ممارساته الوحشية؟ الاجابة البسيطة على السؤال السابق هو النفي, لان الايجاب يعني ان يتحول العالم إلى غابة ضخمة قانونها الوحيد هو القوة وارادة فرضها بغض النظر عن شرعيتها, والشرعية المقصودة هنا ليست في افعال النظام الصربي, فكما قدمنا هي افعال مجرمة, ولكن المقصود هو الشرعية الدولية ونظام تطبيقها, فاذا كانت مجموعة من الدول لا توافق على افعال النظام الصربي, فان هناك مجموعة اخرى من الدول تعتبر تلك الافعال من صميم الشؤون الداخلية ليوغسلافيا, التي بمقتضى سيادتها لها ان تمارس ضبط وانتظام المجتمع بالاسلوب الذي تعتبره مناسبا حتى ولو ادى ذلك إلى استخدام القوة, وانها في مواجهة حركة تحرير كوسوفو وجدت ان استتباب الامن في المجتمع يتطلب اجراءات حازمة ورادعة وهي مسألة نسبية تختلف من نظام إلى نظام ومن مجتمع إلى مجتمع, فما يصلح من اجراءات في امريكا, قد لا يكون صالحاً في افريقيا, وما يمكن ان يردع ظاهرة اجرامية في مجتمع يختلف عن مثيله في مجتمع اخر, وهي مسائل تقع جميعها تحت مبدأ اتفق العالم كله على صيانته وعدم المساس به وهو مبدأ (سيادة الدولة) . واذا كانت المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة هي الغطاء الذي يبرر به البعض شرعية ضربات حلف الاطلسي في يوغسلافيا, فهو غطاء به من الثقوب اكثر من النسيج, فيوغسلافيا لم تعتد عسكريا على اي دولة من دول الحلف المذكور, بل ولم تهدد بذلك, كما ان الحلف لم يكلف نفسه مشقة اخطار مجلس الامن أو الدعوة لانعقاده, وهكذا فان العمل العسكري الاطلسي لا يوجد له سند في نص المادة المذكورة أو حتى روحها. في ضوء ما تقدم, يمكن بنفس تسلسل المنطق السابق ان نستنتج ان حلف الاطلسي قد انتهك الشرعية الدولية بنفس القدر الذي انتهك به النظام الصربي هذه الشرعية, والخلاف بين الانتهاكين خلاف في الدرجة وليس النوع, والمدهش ان ضحايا الانتهاكين هم اهل كوسوفو من الالبان. ومن ناحية اخرى, فانه لا مجال للمقارنة ـ من زاوية الشرعية الدولية ــ مع الحالة العراقية, ففي الاخيرة يوجد على الاقل صناديق من قرارات مجلس الامن يمكن ان تقف عليها العمليات العسكرية في حدود معينة, ومع ذلك فهناك من يرى بعض التشابه وخاصة في الضربات العسكرية الاخيرة والمستمرة على العراق لتطبيق ما يسمى مناطق الحظر الجوي, فتلك المناطق لم يحددها قرار في مجلس الامن, وهو ما يتفق عليه عدد كبير من الدول بعضها من اعضاء حلف الاطلسي, ثم ان هناك تشابهاً اخر, حيث ان احد اهداف هذا الحظر هو حماية جزء من المواطنين العراقيين (الشيعة في الجنوب والاكراد في الشمال) وذلك ايضا داخل في صميم الشؤون الداخلية للعراق, ومن المفترض انه جزء لا يتجزأ من سيادتها. ولعل سؤالاً آخر يتردد الان لدى المتشككين في سلامة ضربات الاطلسي في يوغسلافيا, الا وهو: ما الفارق بين ممارسات النظام الصربي في كوسوفو, وممارسات النظام التركي ضد الاكراد في جنوب شرقي تركيا, بل والمطاردات العسكرية التي امتدت إلى بلد آخر (العراق) ؟, هل يمكن ان نتوقع ضربات اطلسية ضد تركيا لاجبارها على حسن معاملة رعاياها؟ ونفس السؤال المتشكك يمكن ان يدور حول السودان بشأن الحرب الدائرة بين الحكومة المركزية والمتمردين في الجنوب, والدائرة يمكن ان تتسع دون حدود في حين تضيق دائرة سيادة الدولة إلى حد الانعدام. ان ما يحدث الان هو احدى النتائج المترتبة على انتهاء الحرب الباردة وانفراد الولايات المتحدة بالقطبية الدولية, لقد انكسرت قشرة التوازن الصلب التي تخلفت عن الحرب العالمية الثانية, واصبح الوضع الدولي بشكل عام في حالة من السيولة الملتهبة, وكأنه حمم منصهرة تجري في تجاويف الكرة الارضية كي تصنع تضاريس جديدة للعلاقات الدولية مع مطلع القرن الجديد, والتفسير الاكثر قبولا لما يحدث اليوم في قلب اوروبا ليس بالاهتمام بمساكين كوسوفو من الالبان, وليس الانتقام من سلوبودان ميلوسيفيتش, وانما اعادة ترتيب البيت الاوروبي, وكنس بقايا الحرب الباردة, ووضع المسمار الاخير في نعش ما كان يسمى بالنفوذ السوفييتي في القارة توطئة للالتفات جنوبا على متن منظمة التجارة العالمية لقطف ثمار الانتصار التاريخي للغرب على الشرق. ان الذين يدفعون الثمن غالبا في صراعات الاقوياء هم الضعفاء, وعندما تنهار المباني والمصانع في يوغسلافيا, تتهاوى معها كل اعمدة الحكمة التي صاغت وثيقة الامم المتحدة, وتندثر احلام الشعوب في عالم يسوده العدل والسلام والامن, وابلغ مثال على ذلك هو ما نراه كل يوم على شاشات التلفزيون من مواكب اللاجئين الذين حصروا بين مطرقة ميلوسيفيتش وسندان الاطلسي. ترى ما هي الدولة التالية على اجندة الاطلسي؟ اسماء كثيرة محتملة لاسباب عديدة, الا ان افريقيا البكر مرشحة اكثر من غيرها لهبوب عواصف الاطلسي الحارقة, فلازالت اوضاعها في حالة سيولة تتقاذف حممها في كل اتجاه وخاصة في شرق ووسط افريقيا, وربما ايضا هناك مسامير مثبتة على خرائط الانتظار في بقاع اسيوية تسبب القلق للفكر الاستراتيجي الاطلسي. واخيرا, ماذا ينبغي ان يفعل اولئك الذين لم ينالوا شرف الانتساب للأطلسي؟ هل ينتظرون قضاء الاطلسي وقدره؟, هل يفكرون في تأجير مبنى الامم المتحدة شققا مفروشة لهواة الشعر السياسي؟ هل يرحلون الى كوكب آخر؟. ان الفضيلة الوحيدة للناظم الصربي في هذه الاحداث انها ازاحت ستارا آخر حول تمثال ما يسمى بالنظام الدولي الجديد, ربما لتنبيه الغافلين الذين استناموا الى مقولة (السلام اخيرا) في بداية التسعينات كي يتدبروا الامر ويقرروا ماذا يفعلون, خاصة وان نظرية توازن القوى تؤكد مرة اخرى ضرورتها وحيويتها للحفاظ على السلم والامن الدوليين, ومن المؤكد ان خريطة العالم اكثر اتساعا وتنوعا خارج حدود نادي الاطلسي والفرص متاحة لاعادة صياغة توازن دولي جديد يخفف من عصر الهيمنة الاطلسية. * كاتب مصري