لاشك ان مسيرة التعليم في دولة الامارات قد سارت بخطى سريعة وانها قد حققت الكثير من الانجازات سواء قيست تلك الانجازات بمعايير كمية او نوعية , ويكفي للتدليل على ذلك, ملاحظة الزيادة المضطردة لابناء الدولة من خريجي جامعة الامارات والجامعات العربية والاجنبية الاخرى, وحملة الشهادات العليا الذين ساهموا بفضل ما توفر لهم من خدمات تعليمية في سد الكثير من احتياجات الدولة في كافة القطاعات. ولسنا هنا بصدد رصد مسيرة التعليم او تبيان انجازاتها بقدر ما نحن معنيين بتقييم تلك السياسة واذا ما كانت قد صيغت بالكيفية التي تجعلها سياسة تعليمية قادرة على مواجهة تحديات القرن المقبل. وقبل البدء بمحاولة تقييم تلك السياسة اود التساؤل عما اذا كان هناك اتفاق حول من يهمهم شأن التعليم في دولة الامارات أو في غيرها من الدول العربية حول ماهية تلك التحديات وأيها اكثر خطورة؟ وصحيح ان السياسة التعليمية في دولة الامارات منذ بدايات تأسيس الدولة واضطلاع وزارة التربية والتعليم بهذه المهمة ـ قد شهدت العديد من التغيرات لبلوغ الهدف السابق (تطوير العملية التعليمية وجعلها اكثر ملاءمة وقدرة على مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية) . ألا انه يمكن القول بأن تلك المحاولات قد ارتبطت بأشخاص اكثر من ارتباطها بأهداف وموجهات مجتمعية, ينبغي ان تقود السياسة التعليمية الى تحقيق اهدافها المرحلية والمستقبلية ايا كان تقييمها للامر, فإنه لمن الانصاف الاشادة بالعديد من الجهود في هذا المجال, والتي كان مبعثها الحرص الصادق على مراجعة السياسة التعليمية ومحاولة الوصول الى صياغة اهداف ومحددات عليا, تصلح من واقع التعليم وتدفع به الى تحقيق اهدافه. واذكر في هذا المجال وعلى سبيل المثال وليس الحصر, ذلك الجهد الذي يبذله قادة وزارة التربية والتعليم قبل ستة اعوام تقريبا, وعبأت من اجله الكثير من الطاقات والكفاءات الوطنية من المهتمين بقضايا التعليم ومن جميع التخصصات العلمية, والهادف الى مراجعة السياسة التربوية ومحاولة الوصول الى صياغة وطنية لتلك السياسة تكون اكثر استيعابا للمتغيرات المحلية والاقليمية والدولية, ولما تطرحه تلك المتغيرات من معطيات وقيود ينبغي على السياسة التعليمية ان تصاغ في ضوئها لكي تكون اكثر قدرة على التفاعل معها بشكل ايجابي واكثر صلابة في مواجهة التحديات المستقبلية, ووزع ذلك الجهد بين العديد من اللجان التي اوكل لكل منها جانبا من جوانب ذلك المشروع. وكنت حينها عضوا في اللجنة المعنية بمناقشة التحديات التي تواجه مجتمع الامارات والطموحات التي يرغب ذلك المجتمع بلوغها, وكيفية صياغة السياسة التعليمية في ضوء معرفة تلك التحديات من جهة والطموحات المجتمعية من جهة اخرى. واذكر انه قد اوكل الي دراسة التحديات الداخلية التي يواجهها مجتمع الامارات بينما اوكل لاعضاء آخرين التركيز على التحديات الخارجية. وقد دار حول الاوراق التي قدمت لهذه اللجنة الكثير من الجدل حول الرؤى المختلفة وربما المتعارضة, حول تحديد تلك التحديات وترتيبها, اي تحديد ايها اكثر خطورة على ثقافة هذا المجتمع وهويته وأمنه؟ وبقدر ما كنت مصرة في ذلك الوقت على اولوية التحدي الثقافي وضرورة وضعه في مقدمة التحديات التي ينبغي ان تصاغ السياسة التعليمية في ضوئها. بل وجميع السياسات المعنية بتكوين الفكر وبناء الشخصية, بقدر ما انا اليوم اكثر اصرارا على تلك القضية, ومرد ذلك الاصرار هو القناعة بأن عامل القوة الذي ما زلنا نحتفظ به كأمة عربية. متمثل في قوة وافضلية الثقافة العربية الاسلامية, لا بانجازاتها المادية والتقنية كما يحاول البعض حصر تقييم النتاج الثقافي والحضاري للامم وانما بالمخزون القيمي والاخلاقي والروحي للثقافة العربية والاسلامية, فأين هي سياساتنا التعليمية والسياسات المعنية بتكوين الوجهات الفكرية وبناء شخصية النشء من هذه القضية؟ واذا كان الحفاظ على تراث الامة وهويتها الثقافية والحضارية غاية تسعى اليها كل المجتمعات وتحاول ترجمتها من خلال سياسات التنشئة الاجتماعية والسياسية فنحن في العالم العربي وفي مجتمعات الخليج بصفة خاصة معنيون بهذه المسألة بشكل اكبر وذلك لاننا مجتمعات مخترقة ثقافيا ايما اختراق, مخترقة عبر ظاهرة الاختراق الثقافي والاعلامي الذي تشهده جميع المجتمعات دون استثناء, كنتيجة من نتائج الثورة في مجال تقنيات الاتصال الغربية والامريكية بالتحديد على معظم المادة الاعلامية التي نتلقاها, بل وتوظيف وسائل الاعلام لدينا وقنواتنا الفضائية لتكون ادوات مضاءة لتكريس هذه الهيمنة نظرا لافتقارها لبرامج اعلامية عربية, أو على الاقل قادرة على عرض المادة الاعلامية الغربية وتحليلها من وجهة نظر عربية, ناهيك عن كون العديد من الكفاءات الفنية المعنية بصنع المادة الاعلامية او بصياغتها وعرضها هي كفاءة تحمل في الغالب الرؤى العربية او هي على كفاءات فنية بلا مواقف ولا رؤية. والى جانب هذا الاختراق الثقافي الخارجي لمجتمعاتنا فنحن مخترقون من الداخل نتيجة هذا الخلل في التركيبة السكانية, اذ يعيش المواطنون ذو الثقافة العربية الاسلامية كأقلية وسط اغلبية غير عربية, هذا الكم الهائل من العمالة الذي بدا واضحا مدى تأثيره السلبي على بنية المجتمع وهويته الثقافية. ومع هذا الاختراق الثقافي المزدوج يطرح التساؤل السابق بصورة اكثر حدة, اين هي السياسة التعليمية من هذا الاختراق؟ وهل جاء الحفاظ على الهوية الثقافية لهذا المجتمع في مقدمة اهداف تلك السياسة؟ ولا يعني طرح ذلك التساؤل ان القائمين على السياسة التعليمية قد اغفلوا مثل ذلك الهدف, وانما قد لا يكونون اولوه الاهتمام الكافي, ولم يدرجوا التحدي الثقافي ضمن اولوياتهم, او ربما قد تم ادراجه لكن ذلك الاهتمام لم يترجم بالصورة الكفيلة بمواجهة ذلك التحدي, ان الاهتمام بتلك القضية لا يعني تضمين المناهج الدراسية قصائد لشعراء محليين, او تضمين كتب القراءة موضوعات من القوص والنخلة والجمل, ورسومات لاشخاص يرتدون الزي المحلي ويحملون اسماء محلية باعتبار ان تلك هي رموز الثقافة المحلية, ان التأكيد على قيم الثقافة العربية الاسلامية التي تعد الرافد الاول للثقافة المحلية لمجتمع الامارات, وأي مجتمع عربي آخر انما نعني ما هو ابعد وأعمق من ذلك بكثير, نعني الحرص على مضامين القصيدة أو النص.. أو الحوار المدرج في المنهج والقيم التي يتضمنها, والمبادىء التي يوصلها وما اذا كانت قيما ومبادىء تنسق مع ثقافة المجتمع وتساعد على تكوين شخصية متوازنة قادرة على التنفيذ والتقييم والمواجهة ان تطلب الامر ذلك. وللحديث صلة رئيسة قسم العلوم السياسية جامعة الامارات