في واحد من المنتديات الثقافية القى احد الدعاة أو المشايخ محاضرة دينية تأمليه قدم من خلالها دروسا ولمحات في قضايا التربية والاخلاق ودور العقيدة في السمو بالفرد والمجتمع , كما تطرق إلى قضية (الزنا) وافرازاتها والسياق الاجتماعي الاخلاقي الذي تروج فيه هذه الآفة الاخلاقية والمؤثرات التي تقود اليها .. الخ وفي الحقيقة فان العودة إلى جوهر الدين وفهمه, وفهم قضايانا المعاصرة من خلاله امر ضروري, اغلبنا غافل عنه, كما ان اغلب دعاتنا يذهب بعيدا عنه, مع انه الاحتياج الاشد ضرورة في هذه المرحلة وفي كل المراحل, ونكاد نجزم بان انقضاء عصر الاجتهاد لم يخلفه سوى عصور من تغييب العقل وبشكل خطير جدا ادى إلى تسييد مفاهيم ما عادت مقبولة أو مستساغة وفق معطيات الواقع الذي نعيشه. من الامور التي ركز عليها فضيلة الشيخ المحاضر قضية دور المرأة الاساسي في انتاج آفة بشعة كالزنا, حيث انها هي مبدأ الحكاية وهي المشجعة والدافعة و.... الخ, وعليه فان تربية المرأة واعدادها بشكل جيد يقي المجتمع من هذه الآفات وآفات غيرها تصب في صلب القضايا الاخلاقية, وكأن المجتمع امرأة فقط تتحرك في فضاء تحكمه وتسيطر عليه, تصلحه متى شاءت وتفسده بمحض ارادتها وتوجهاتها وهو مندفع وراءها في كل ذلك. نحن لن نعترض على تفسير القرآن ودقائق الفاظه ومعانيه فان لذلك علماؤه ومفسروه ومدارسه, ولكننا ندعو ــ وهذا ما يدعونا اليه القرآن ايضا ــ إلى النظر والتأمل فيما حولنا واستنتاج العبر والحقائق, فاستقراء الواقع الذي يحيطنا يدفعنا لان نقول بأن ما آمنا به زمنا ورددناه شعرا ونثرا من اننا اذا اعددنا المرأة جيدا نضمن مجتمعا صالحا طيب الأعراق, كلام يحتاج الى مراجعة في العمق والمبدأ, حيث ان هذا الشائع يلقي باللائمة كلها على المرأة ــ تماما كما فسر الشيخ في محاضرته, بحيث جعل المعادلة محصورة في التالي: اذا كانت المرأة ذات اعداد وتربية اخلاقية جيدة خلا المجتمع من الآفات وانتهت الرذائل التي أهمها ربما الزنا. دعونا الان نتساءل هل أصبح مقبولا منطقا وواقعا الوقوع في هذا الخلط؟ هل المرأة هي التي تدير العالم بكل شروره وآفاته؟ هل هي التي ابتدعت شبكات الرقيق والدعارة وتجارة المخدرات ومافيا غسيل الأموال, وكل التجارة المشبوهة واللا اخلاقية؟ ثم من هو العميل الأكثر ترددا على سوق الرذيلة ومن هو الحامي لها ومن هو المستفيد أو القادر على الدفع .. و.. الخ. ليس صحيحا بأن المرأة فقط هي التي تصلح المجتمع, ان مجتمعا ملتزما مؤسسا وفق منظومة أخلاقية سياسية واجتماعية معينة يفرز أفراده ويضبطهم جميعا وفق قوانينه, وعليه فالمرأة تستقيم وتتعلم وتأخذ حقوقها وتتمتع بأهليتها وقدراتها من خلال مجتمع خير متصالح مع قيم تحترم المنطق وحقوق الافراد, وليس صحيحا ان المرأة هي التي تصنع صلاح المجتمع أو تنتج فساده, وكأن الرجل ما زال طفل المهد لا يد له ولا ناقة أو جمل كما يقولون في كل هذه المنظومة المتكاملة والمعقدة من شبكات المصالح والفساد أو الانضباط ايضا. وفي الحقيقة فإن مدرسة تراكمية واحدة في تاريخنا المعاصر تفرزها ثقافتنا المعاصرة لا تتعامل مع الامور بعقل غيبي نقلي لا موضوعي وتحترم الوقائع ومناهج البحث الجادة, كما تعترف بالجرأة والعمق النقدي, أعظم وأشد نفعا من كل هذا والاتكاء التام على ميراث القرون الذي برغم اهميته وحرمته الا ان ذلك لا يمنع من مراجعته والاضافة عليه.