من بين افضل عشرة افلام, امريكية انتجت خلال القرن العشرين هناك فيلم واحد فقط من انتاج عقد التسعينات وفيلم واحد فقط من عقد السبعينات.. ولايوجد حتى فيلم واحد من انتاج عقد الثمانينات , اما الافلام الثمانية الاخرى التي تتكون منها بقية القائمة فكلها من انتاج عقود ما قبل السبعينات. ماذا يعني ذلك؟ يعني ببساطة انه منذ عقد السبعينات دخلت السينما الامريكية العالمية عصر انحطاط هو في حقيقته انعكاس للانحطاط الحضاري للمجتمع الامريكي نفسه وما يسمى بالثقافة الامريكية. وعندما تدقق في قائمة الافلام العشرة الافضل خلال القرن العشرين تدرك ابعاد هذا الانحطاط. من بين هذه الافلام مثلا فيلم (المواطن كين) الذي يعري اسطورة (حرية التعبير) من خلال الصحافة, ومحور القصة هو الرأسمالي (كين) الذي يتربع على عرش امبراطورية تتكون من عدة صحف كبرى ومحطات اذاعية.. والرسالة التي يبثها الفيلم هي ان حرية التعبير تتوفر لك بقدر ما تملك من مال. (كاسبلانكا) (اسم مدينة الدار البيضاء المغربية باللغات اللاتينية) فيلم اخر على القائمة عن الحرب والحب.. اذ يروى قصة غرامية بين امريكي وفتاة اوروبية يلتقيان في الدار البيضاء على خلفية احداث الحرب العالمية الثانية, وعلى هذا النسق هناك ايضا فيلم (ذهب مع الريح) الذي يصور قصة الحرب الاهلية الامريكية ممتزجة بقصة حب وتضحية. اعرض هذه الامثال الثلاثة لاخلص الى ان هوليوود في عصرها الذهبي البائد كانت تحرص في انتاجها السينمائي على انتقاء المواضيع الانسانية القويمة والاحداث التاريخية والمثل الاخلاقية القويمة قبل ان تنحدر ابتداء من عقد السبعينات الى مستنقع الجنس الفاضح والعنف والمخدرات وصراعات المال من اجل تمجيد قيم الانانية والنزعات العدوانية والتفسخ الروحي والجشع كمثل عليا. لقد كانت استدديوهات هوليوود في الماضي تستأجر افضل كتاب السيناريو الذين تخرجوا منها لاحقا كمؤلفي روايات رصينة اوتستعين باعمال المؤلفين الكلاسيكيين من امثال تشارلس ديكنز وسيررايدر هاجارد وجورج اورويل.. بل ووليام شكسبير فقدمت الى جمهور السينما حول العالم روائع سينمائية مثل (اوليفر تويست) الذي يتناول نقديا قضية تشغيل الاطفال في المصانع وما يتعرضون له من قسوة واستغلال خلقي, و(ديفيد كوبرفيلد) الذي يروي قصة حياة ديكنز نفسه كعصامي عاش طفولة بائسة لم تقعده عن الكفاح حتى صار المع كاتب روائي في عصره, وهناك مثلا (كنوز الملك سليمان) الذي يصور مغامرات الرواد الاوائل من الاوروبيين الى مجاهل القارة الافريقية.. وهناك بالطبع رائعة شكسبير (روميو وجولييت) التي تصور الحب في انبل اشكاله. ان السينما الامريكية مرآة للنسيج الاجتماعي الامريكي.. ولانها سينما تجارية ربحية بالدرجة الاولى (وهذا ليس عيبا في حد ذاته بالضرورة) فإنها تستوحي في نوعية انتاجها رغبات وتطلعات القطاعات المجتمعية في مرحلة حضارية بعينها, وقياسا على ذلك فإن النقلة السينمائية القبيحة من محور المثل العليا الاخلاقية الى محور السلوك الاجرامي العدواني كقيمة حضارية مفضلة انما هي في الحقيقة انعكاس طبيعي للهبوط الاجتماعي الحاد في امريكا الى ذلك المستوى الذي نراه اليوم في افلام تدور محاورها القصصية حول ثقافة المسدس كرمز للقوة المنشودة والتحلل الجنسي كرمز لممارسة الحرية المقدسة والسعي المحموم لاقتناء الدولارات بوسائل السلب او التدليس او الاحتيال كرمز للشجاعة او الذكاء الخارق. والمؤسف حقا ان الحضارة الامريكية على هذا النحو تتسع دوائر نفوذها العالمي يوما بعد يوم مع النقلات المتصلة لثورة تكنولوجيا الاتصالات. كاتب صحفي وسفير سوداني سابق