كانت (محكمة عابدين الشرعية) , تقع في منتصف الطريق بين مدرستي ومسكني, وفي ظهيرة معظم الأيام, كنت أشاهد أمامها زحاماً من البشر , يحيطون برجل وامرأة, يتقاذفان بالطوب, أو يتبادلان أقذع الكلمات, أما السبب فلأن المحكمة حكمت لها بالطلاق أو بالنفقة, أو حكمت له بالطاعة أو بضم الأولاد. وبينما كان غيري يضحك, كنت أدهش, لأن رجلاً وامرأة, عاشا معاً تحت سقف واحد لسنوات, تبادلا خلالها كلمات المودة, واغنيات الغزل, وامتزجت منهما الدموع والضحكات والأوجاع والأسرار والأبدان, قد نسيا كل ذلك في لحظة, واطلق كل منهم لسانه في حق الآخر, وأنشب أظافره في عنقه بقسوة جلفه, ولم يعد له هم إلا أن يكيد له, ويحط من شأنه, وكأنهما كانا منذ الأزل عدوين, لم يعرفا سوى الكراهية. مرآة الفراق والظلام ومنذ ذلك الحين, تعودت ألا أسمع, وألا أصدق, ما يقوله المحبون من مدائح عن بعضهم البعض في سنوات الود وأيام الصفاء, أو مايتبادلونه من أهاجي في سنوات البعاد والشقاق, فقد أيقنت أن مرآة الحب والقرب, كمرآة الفراق والطلاق, عمياء وسوداء. وربما لهذا السبب, وضعت يدي على قلبي حين سمعت بأنباء الأزمة التي نشبت بين الشاعر الكبير (عبدالرحمن الأبنودي) , وزوجته السابقة مخرجة السينما التسجيلية المرموقة (عطيات الابنودي) , بسبب كتاب (أيام لم تكن معه) , وهو يضم يوميات كانت (عطيات) قد كتبتها خلال الفترة التي اعتقل فيها (عبدالرحمن) بين 9 أكتوبر 1966 و12 مارس ,1967 ولم تفكر في نشرها طوال الأعوام العشرين التي كانت خلالها زوجة له, ولم تفعل ذلك إلا هذه الأيام, وبعد مرور اثني عشر عاما على انفصالهما.. وهو ما آثار اعتراض (عبدالرحمن) الذي تدخل لوقف نشر مقتطفات من الكتاب في الصحف. الحق في الخصوصية وكانت (عطيات) قد اتصلت بي هاتفياً أثناء تصحيحها لتجربة الطبع الأخيرة, لتتثبت من تواريخ بعض الوقائع, إذ كنت أحد الذين شملهم الاعتقال في تلك الحملة.. وسمعت منها ــ بالمناسبة ــ بعض أنباء الأزمة.. وكان من رأيي أن (عبدالرحمن) على حق في اعتراضه حتى لو كان قد تجاوز في غضبه, فالحق في الخصوصية, هو أحد الحقوق الاساسية التي تحميها الدساتير والمواثيق والعهود الدولية لحقوق الانسان, وإذا جاز لانسان أن يتنازل عن هذا الحق بالنسبة لنفسه, فلا يجوز له, أن ينتهك حق الذين كانوا طرفاً في علاقة خاصة معه, في صيانة حرمة حياتهم الخاصة. والمسألة تحتمل وجهات نظر أخرى, إذ يستحيل ــ كما يقول البعض ــ أن يكتب انسان مذكراته, من دون أن يتطرق الى آخرين ممن كانوا يحيطون به ويتعاملون معه, من الأباء الى الأبناء ومن الازواج الى الاصدقاء, والتسليم بحق هؤلاء في الاعتراض على النشر, لا نتيجة له, إلا مصادرة الحق في تناول الجانب الخاص من حياة الشخصيات العامة ــ سواء كانوا سياسيين أو أدباء أو فنانين ــ مما يحرمنا من شهادات مهمة, لا غنى عنها, إذا أردنا أن نفهم أدوارهم, وابداعاتهم فهما متكاملاً. ومن النماذج اللافتة للنظر في هذا السياق, كتابان مهمان, هما (معك) الذي كتبته (سوزان طه حسين) , وضمنته ذكرياتها عن حياتها الزوجية مع عميد الأدب العربي, التي استمرت نصف قرن.. و(الجنوبي) الذي كتبته الناقدة (عبلة الرويني) عن علاقتها بزوجها الشاعر الراحل (أمل دنقل) , لكنهما لم يلقيا ما يستحقانه من اهتمام, ربما لأن الزوجتين انطلقتا فيما كتبتاه من مشاعر غامرة بالمعزة, وفاجعة بالفقد, وبرؤية ثاقبة نفذت الى روح الآخر وكشفت عن جوانب خفية من شخصيته, كأن يستحيل فهمه دونها .. ومع ان هذه الجوانب لم تكن دائماً ايجابية, فإن أحداً لم يجد في الكتابين ما يكفي من الاثارة, لكي يهتم بهما, ربما لأن الموت ــ لا الطلاق ــ هو الذي فرق بين الاطراف الأربعة. قسوة لا مبرر لها ومن التجليات الأخرى لهذه القضية, الضجيج الذي أثاره الجزء الثاني من كتاب الأيام الذي ذكر فيه الدكتور (طه حسين) , أن أخاه الأكبر كان يهمله ولا يعتني بشأنه حين كان يدرس بالأزهر, ولا يتنبه الى حاجته ــ وهو صبي صغير كفيف ــ للرعاية والحب, وأنه أهداه إطاراً من الذهب لنظارة يخفي به عاهته ثم يبخل به عليه, فاسترده ليستخدمه.. والضجيج الذي آثاره الدكتور (لويس عوض) حين ذكر في سيرته الذاتية (أوراق العمر) أن أباه كان يدمن الخمر وان له شقيقة دخلت مستشفى الأمراض العقلية وشقيقاً يغار منه, ويشعر بمنافسة معه, والاتهام الذي وجهه (نجيب محفوظ) في مذكراته لابن شقيقته بأنه استولى على مكتبته.. وهي تفاصيل لم يجد البعض في نشرها خطأ, وقال آخرون انها تتضمن قسوة لا مبرر لها, وربما لهذا السبب يوصي بعض الذين يكتبون مذكراتهم ألا تنشر قبل مرور خمسين عاما على وفاتهم, يموت خلالها كل الذين يرد لهم ذكر فيها بينما يصر آخرون على نشر هذه المذكرات في حياتهم لكي يتيحوا لمن تتناولهم فرصة الرد ويفضل فريق ثالث, ان يكتب مذكرات لا يرد فيها اسم أحد, ولا تتضمن أية واقعة, تجنبا لوجع الدماغ. ولأن المناقشة بيني وبين عطيات الأبنودي كانت تدور بعد فوات الأوان إذ كان الكتاب بالفعل في طريقه إلى المطبعة, فقد ختمتها بأن تمنيت عليها, الا يكون فيما سوف تنشره, ما يسىء إلى عبد الرحمن ونبهتها بحكم مودة قديمة تربطني بهما, إلى أنهما شخصيتان هامتان, يتوجب عليهما ان يصونا مودتهما القديمة وان يحصناها ضد رغبات الثأر, وشهوات الانتقام, وضد نوازع التشفي التي قد تدفع البعض لاستغلال ما تكتبه لتصفية حسابات شخصية,أومنافسات أدبية وفنية مع أحدهما أو كليهما, فطمأنتني إلى ان الكتاب لا يتضمن شيئا من ذلك, ودافعت عن حقها في النشر, قائلة ان الكتاب عنها, وليس عن غيرها, وانها احتراما لرغبة عبد الرحمن لن تنشر الخطابات التي كان يهربها إليها, وهو في السجن ليقتصر النص على ما كتبته هي عن نفسها,وليظل في حدود حقها المشروع في ان تذيع عن حياتها الخاصة ما تشاء. ولم أجد في الكتاب أحدا غير عطيات, فهو يوميات كتبتها ببساطة وعفوية وبكثير من السذاجة, زوجة شابة لمعتقل سياسي, تعكس جانبا من رد فعل انماط من الناس, في مصر الستينات, على ظاهرة الاعتقال السياسي التي كانت شائعة آنذاك وقبل ذاك وبعد ذاك إذ كانت (عطيات) تتحرك بنشاط ضمن فريق من زوجات وأقارب المعتقلين معه, بين مكاتب المسؤولين ودور للصحف وأصدقاء زوجها ومعارفه, وكل من يستطيع ان يمد لهن ولهم, يد المعونة, مطالبات بالافراج عنهم, فيتجهم لهن البعض, نفورا أو خوفا ويكتفي آخرون بابداء مشاعر التعاطف العاجز عن فعل شيء, ويحسن بعض ثالث استقبالهن, ويعدون بالتدخل وهم في شك من انه سوف يسفر عن شيء, وقد تركت انطباعاتها عن الناس, كما كتبتها من دون ان تتنبه إلى انها بحكم قسوة التجربة كانت في حالة انفعالية ربما تدفعها لأن تسيء فهم مواقفهم, ومن دون ان تستدرك ما تكشف لها بعد ذلك, في هوامش تضيفها إلى النص, أوتعديل تدخله عليه! الحاضر الغائب وعبدالرحمن الأبنودي هو الحاضر الغائب في هذا الكتاب, فهو حاضر في مشاعر الزوجة,وغائب وراء الجدران بشخصه, وكذلك بقضيته, فليس في المذكرات كلها كلمة واحدة تشير إلى سبب اعتقال (الأبنودي) ورفاقه, مما اضطر الذين كتبوا عن الكتاب إلى محاولة استنتاج السبب, فقال بعضهم ان الابنودي اعتقل لأنه رفض ان يكتب أغنية عن عبدالناصر ويغنيها عبدالحليم حافظ, وقال آخرون انه ورفاقه لم يكونوا يفعلون شيئا أكثر من الثرثرة على المقاهي, وانتقاد الأوضاع في البلاد, وأنهم اعتقلوا بسبب الصراع بين أجهزة الأمن. والحقيقة ان حملة اعتقالات اكتوبر 1966 كانت أسرع وأخطر من ذلك , فقد شملت ما يزيد على 150 من العناصر الماركسية والناصرية, وضمت ثلاث مجموعات تتكون الأولى التي كان الأبنودي ينتمي إليها من بقايا تنظيمين ماركسيين صغيرين كان لدى أجهزة الأمن معلومات بأنهما رفضا حل نفسيهما, بعد ان حلت التنظيمات الكبيرة نفسها, وتتكون الثانية من عدد من أساتذة المعهد العالي للدراسات الاشتراكية الذي كان بمثابة مدرسة الكادر للاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي,بينما ضمت الثالثة عددا من أعضاء اللجنة المركزية لمنظمة الشباب الاشتراكي, كانوا ينتمون من قبل إلى الفرع المصري من (حركة القوميين العرب) فضلا عن عشرات من قيادات المنظمة. وكان وراء الضربة فكرة تبناها علي صبري الأمين العام للاتحاد الاشتراكي آنذاك, تدعو ثورة يوليو إلى ان تنشئ يسارها الخاص, وتعتبر كل يساري جاء من منبع غير ناصري دسيسة يتوجب التعامل معها بحذر, وتنظر إلى كل صاحب موقف يساري مستقل باعتباره مخربا يتوجب تطهير الحياة السياسية منه, ولا تقبل بأقل من الولاء الكامل والتسليم التام بكل ما تقوله أو تفعله القيادة السياسية, وهي تطوير لاتجاه ثابت نشأ مع ثورة يوليو وأدى إلى تهميش ثم تصفية كل القوى السياسية حتى التي كانت تتفق مع الثورة في أهدافها الرئيسية وتختلف معها في التفاصيل. خطيئة يوليو وكانت تلك هي خطيئة يوليو الأساسية التي قادت الوطن والأمة إلي مآزق وأدت في النهاية إلى تصفية الثورة نفسها بعد ان اتضح بعد فوات الأوان ان الدساسين والمخربين كانوا يكمنون في ثناياها. ومع أن بعضا ممن كتبوا عن الكتاب لم يتنبهوا إلى هذا النقص الفادح فيه, الذي يقلل من أهميته ووثائقيته, فقد عز عليهم ان تتعفف عطيات عن الاساءة لموداتها القديمة, وان يخلو كتابها من مشاهد كتلك التي كنت أراها أمام محكمة عابدين الشرعية فاتخذوا منه ذريعة للهجوم على عبدالرحمن الأبنودي بالمقارنة بينه وبين زوجته السابقة, أو بين ماضيه الثوري وحاضره السياسي الذي لا يرضون عنه. ذلك منهج غريب, ولا أقول مريب, في تناول الكتاب, ليس فقط لأن أصحابه ينسبون لـ (عطيات) ما لم تقله, ولكن كذلك لأنهم ينكرون على الابنودي حقه في اتخاذ مواقف سياسية تقبل الخلاف والاتفاق ولكنها لا يمكن ان تكون سببا للادانة, أو مبررا للتقليل من شأن الدور العام الذي لعبه كشاعر متميز, ساهم مع جيله في تطوير شعر العامية ونقل أدب الأغنية إلى آفاق جديدة وشديدة الرحابة ولم يتنكر في شعره لشيء من قناعاته الأساسية! انه عبث لا يليق وصغار لا يجوز!