هل دخلت العلاقات الامريكية المغاربية مرحلة جديدة؟ ذلك ما يمكن التساؤل حوله بعد اللقاء الذي تم في واشنطن بين مساعد كاتب الدولة في الشؤون الاقتصادية ايزنساتت وبعض الوزراء المغاربيين المعنيين بشؤون المال والاقتصاد, والمنتمين الى المغرب والجزائر وتونس . وفي الواقع يمثل هذا اللقاء احدى حلقات مبادرة ايزنساتت, التي كان قد اطلقها خلال زيارته لبعض دول الشرق الاوسط والمغرب العربي في يونيو 1998 وهي ترتكز على الافكار التالية: اولا: حوار منتظم مع مسـؤولين من المغرب والجزائر وتونس. ثانيا: دون النيل من العلاقات الثنائية, فإن هذه المبادرة هي معاملة المغرب العربي كمنطقة للتعاون الاقتصادي. والمؤمل ان تشجع اتحاد المغرب العربي وغيره من هيئات التكامل الاقليمي لازالة الحواجز بين دول المغرب العربي التي تحول دون ازدهار التجارة بصورة كاملة. ثالثا: التأكيد على الدور المركزي للقطاع الخاص كونه المحرك للنمو الطويل الاجل والمستديم لهذه المنطقة. من الواضح, ان هذه المبادرة الامريكية تمليها عدة اعتبارات مرتبطة باهتمام الولايات المتحدة ودورها في صياغة العلاقات في هذه المنطقة. فغير خاف علينا الارتباط العميق بين هذه المنطقة والشرق الاوسط. فالمنطقة المغاربية تعتبر طريقا مؤديا الى الشرق الاوسط والخليج. ومن هذا المنظور فهي تندرج ضمن المخطط الامريكي الدافع نحو شراكة واسعة بين دول شمال افريقيا والشرق الاوسط, وهو المشروع الذي جاء في سياق مفاوضات مدريد, والذي دشن في سنة 1994 بأول مؤتمر انعقد في مدينة الدار البيضاء المغربية, تلته مؤتمرات في عمان والقاهرة, واخيرا الدوحة التي سجلت فشلا ذريعا بسبب مقاطعة اغلب الدول العربية للمؤتمر كرد فعل على سياسة التعنت والتماطل التي ينتهجها الوزير الاول الاسرائيلي نتانياهو وطبعا فإن التخوف من اندثار هذا الاطار الذي يشكل احدى ادوات دمج دول المنطقة مع اسرائيل لم يختف من المخططات الامريكية, بل ان هذه الاخيرة ما زالت تبحث عن طرف مقبول يمكن له ان يستقبل هذا المؤتمر. ومن الواضح ان نتائج الانتخابات الاسرائيلية قد تدفع في هذا الاتجاه. وتراهن الولايات المتحدة, والكثير من الدول على صعود حزب العمل حتى يمكن اعطاء دفعة جديدة لمسلسل التسوية, وكذلك لهذا المشروع الاقتصادي. لكن اهتمام الولايات المتحدة بالمغرب العربي ليس فقط وليد هذا العنصر, بل انه كذلك يندرج بصفة عامة ضمن المشروع الامريكي العالمي القاضي باستفادة الولايات المتحدة كقوة اولى في العالم من جميع الفرص المطروحة, ومنافسة الدول الاوروبية حتى في جميع المناطق التي كانت تعتبر مجالات احتكار لها, ففي عالم مابعد الحرب الباردة المتسم بالعولمة والمنافسة الهائلة, فإنه لم يعد هناك مجال للابقاء على مجالات خارج الاهتمام الامريكي, فكما هو ملاحظ, فقد شهدت السنوات الاخيرة نوعا من اعادة توزيع الاهتمام الامريكي بمناطق ظلت محسوبة على النفوذ الفرنسي والاوروبي. فالولايات المتحدة كقوة عظمى استشعرت ضرورة الانتشار في جميع مناطق العالم, ومن بينها القارة الافريقية التي شهدت تحركا امريكيا ملحوظا تجلى في القمة التي انعقدت في واشنطن بين الرئيس الامريكي كلنتون ومجموعة من قادة افريقيا السوداء. وربما تسعى الولايات المتحدة الى الاستفادة من التوسع الاوروبي نحو دول اوروبا الشرقية, وتردد بعض الدول غير المتوسطية في الاهتمام اكثر بقضايا الضفة الجنوبية لدول المتوسط, وذلك لايجاد مركز اقتصادي لها هناك ويكمن العنصر الثالث في التحولات الاقتصادية التي تمر بها الدول المغاربية في اتجاه اختيارات ليبرالية لا رجعة فيها, مما يتطلب تفكيك القطاع العام, وخصخصة كثير من القطاعات, وفتح الاسواق امام الاستثمارات الاجنبية القادرة وحدها على انعاش سوق الشغل, وخلق فرص العمل امام آلاف الشباب. ومن هذا المنظور يتطلع الرأسمالي الامريكي الى الاستفادة من حصته في هذه التحولات, لا سيما في القطاعات المهمة كما هو الامر بالنسبة للاتصالات, أو البنيات الاساسية التي تحتاج اليها هذه الاقطار. لكن هذه الخطوة الامريكية الهادفة الى تحريك التبادل الاقتصادي بين الطرفين, اذا كانت تنم عن نوع من الوعي الامريكي بضرورة التعامل مع دول المنطقة كمجموعة فمازالت تتسم بنوع من الانتقائية. فبسبب الخلاف مع ليبيا, والذي تمحور في السنوات الاخيرة حول ما عرف بقضية لوكيربي, فلم يتم استدعاء هذا القطر المغاربي وبالرغم من قيام الجماهيرية بتسليم المشتبه فيهما الى العدالة, حيث سيتم محاكمتهما في لاهاي امام محكمة اسكتلاندية, وبالرغم من بعض الاتصالات التي مازالت سرية بين الطرفين, فـإن الولايات المتحدة لم تغير موقفها من الجماهيرية. وقد اعتبرها التقرير الاخير لوزارة الخارجية الامريكية من بين الدول الراعية للارهاب. ولا يساير هذا التشدد الامريكي المرونة الاوروبية التي بادرت الى اعادة ربط الجسور مع الجماهيرية على ضوء موقفها الاخير. وعلاوة على الجماهيرية فقد تم استبعاد موريتانيا. واذا كان صاحب المبادرة الامريكية قد عزا ذلك الى اعتبارات ظرفية, فمن الواضح ان هذا الاستبعاد يعود بالاساس الى هشاشة البنيات الاقتصادية, وضعف القطاع الخاص, مما لا يجعلها مغرية بالنسبة للرأسمال الاجنبي. وفي الواقع, اذا كان واضحا ان التعاون الامريكي المغاربي لا يمكن الا ان يكون مفيدا بالنسبة للطرفين, وخاصة بالنسبة للدول المغاربية التي تواجه تحديات التنمية, ويصطدم اقتصادها بعدة اختناقات مرتبطة بارتفاع خدمة الدين الخارجي, وضعف الاستثمارات الاجنبية, فإن تفعيل هذا التواصل يبقى رهينا بقدرات الدول المغاربية نفسها, ويتجلى ذلك على مستويين. فعلى المستوى الاول, مازالت الدول المغاربية تتحرك كأقطار منفردة متنافسة, ان لم نقل متصارعة, فبالرغم من اتفاقية مراكش التي اسست منذ عشر سنوات اتحاد المغرب العربي, فما زالت هذه الاطراف عاجزة عن تقديم نفسها كمجموعة منسجمة تعبر عن سوق واحدة ومصالح متكاملة وتطلعات مشتركة. وبالتالي فإن رفع القدرات التفاوضية يبقى مرتبطا بمدى وعي هذه الاقطار ورغبتها الفعلية في التحرك كمجموعة, وليس كمجرد وحدات منفصلة. واذا كانت المتغيرات الاخيرة التي وقعت في المنطقة, كما هو الامر بالنسبة للانتخابات الرئاسية التي صعدت السيد عبدالعزيز بوتفليقة الى السلطة, وتسليم الليبيين المشتبه فيهما الى العدالة, والتقدم الحاصل على درب الاستفتاء في الصحراء, وعودة التواصل بين الاطراف المغاربية, تفرز نظريا احتمالا ايجابيا بتجاوز حالة الركود التي يمر بها المسار المغاربي, لكن التحول الفعلي يتطلب مزيدا من الجهود لتحقيق ذلك, اما المستوى الثاني لهذه العلاقة فيكمن في طبيعة الفاعلين داخلها فكما هو معروف بالنسبة للولايات المتحدة فإن علاقاتها الاقتصادية التعاونية لا تحددها السلطة بصفة اساسية, بل ان هذه الاخيرة تكتفي بوضع الاطار الملائم الذي ينبغي ان تتأطر ضمنه هذه العلاقات. ويبقى للقطاع الخاص الدور الاساسي في بلورة هذه التوجهات. وهو الامر الذي يعني ان الاستثمار الامريكي لا يمكن ان يتحرك بشكل مكثف في اتجاه المغرب العربي, الا اذا توفر لديه المناخ الصالح الذي يضمن له استثماره, ومعنى هذا ان السلطات المغاربية مطالبة بالعمل على القيام بالاصلاحات اللازمة والهيكلية التي يمكن ان ترفع من ثقة المستثمرين الاجانب, وحتى المواطنين في جدوى المغامرة فيها, وتنصب هذه الاصلاحات على الادارة والقضاء والاجهزة المكلفة بتدبير الاستثمار, فالشراكة المغاربية الامريكية ينبغي ان تتعالى عن مجرد استقبال المساعدات, الى تفاعل ايجابي يساهم فيه الطرفان, اي الولايات المتحدة, والمغرب العربي بكافة اقطاره.