أحد المفاهيم التي تنتشر اليوم في الكتابات المتصلة بالتنمية هو مفهوم التنمية البشرية, والذي زاد من ذيوعه التقرير السنوي الذي بدأت الأمم المتحدة في اصداره منذ عدة اعوام بعنوان تقرير التنمية البشرية في العالم , ويتم قياس التنمية البشرية بالاشارة الى عدد من المعايير والمؤشرات التي تتضمن التعليم, ومتوسط نصيب الفرد من الدخل القومي, ومتوسط عمر الانسان وحجم المشاركة في الحياة العامة, واحترام حقوق الانسان. ولا يمكن لنا ان نفهم أهمية هذا المعنى للتنمية الا اذا وضعناه في سياق اكبر يتعلق بتطور مفهوم التنمية, فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية, وبالذات مع موجة استقلال المستعمرات في آسيا وافريقيا, طرحت قضية التنمية نفسها باعتبارها احدى القضايا الاساسية على جدول اعمال العالم وبرزت مفاهيم التنمية السياسية والتنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية. وثار جدل واسع بين المشتغلين بقضية التنمية حول العنصر الحاسم في دفع عملية التنمية فظهر اتجاه يركز على العوامل المادية, وخصوصا الاقتصادية منها باعتبار ان الاوضاع الاقتصادية السائدة في مجتمع ما هي العنصر المحدد لمستوى رفاهيته وتقدمه. ومن ثم دافع انصار هذا الاتجاه عن التصنيع باعتباره الاداة الرئيسية لاحداث التنمية في المجتمع, وباعتبار الصناعة هي المجال الرئيسي لتحقيق القيمة المضافة. وظهر اتجاه ثان يعتبر ان بناء المؤسسات هو جوهر عملية التنمية باعتبار ان السمة الرئيسية للمجتمعات المتقدمة هي انها تدار من خلال مؤسسات تتمتع بدرجة عالية من (المـؤسسية) ومفهوم المؤسسية في هذا المجال يتضمن وجود اجراءات وقواعد ترتب الحقوق والواجبات, وتنظم العلاقات بين البشر بعبارة اخرى, فإن بناء المؤسسات يعني حكم القانون وفي هذا السياق اكد انصار هذا الاتجاه على ان اي تقدم سياسي او اقتصادي او اجتماعي لا يمكن ان يحقق التنمية الا اذا ارتكز على بناء المؤسسات فهذا هو الذي يضمن استمرارها وتواصلها وانتظامها. كما ظهر اتجاه ثالث يركز على دور العوامل الثقافية والقيمية في عملية التنمية, واكد انصاره على ان التنمية لا يمكن ان تتحقق بمجرد التصنيع وانه لا يمكن للتصنيع ان تتوطد اركانه بدون احداث تغيير في قيم البشر. لذلك فإن بناء المؤسسات في حد ذاته ليس هدفا تنمويا لان العبرة هي بنوعية هذه المؤسسات وطبيعة القيم التي تحكم عملها, والعلاقات القائمة فيها. في هذا السياق برز مفهوم التنمية البشرية وهو في الحقيقة ليس اتجاها جديداً تماما, فله جذور وتقاليد ويكفي ان اشير على سبيل المثال, الى كتاب اصدره الدكتور حامد عمار المفكر الاجتماعي المصري بعنوان (فن بناء البشر) في الخمسينات اشار فيه الى ان جوهر التنمية هو بناء البشر وتطوير قدراتهم بما يمكنهم من ان يصبحوا قوى دافعة للتطور والتقدم, ولكن الجديد حقا هو تبني المنظمات الدولية لهذا المفهوم وذيوعه باعتباره المفهوم الاكثر قبولا للتنمية, والجديد ايضا هو تبلور مقاييس ومؤشرات كمية وكيفية لتبيان درجة التنمية البشرية في دولة ما. ينطلق هذا المفهوم من ان الانسان هو هدف عملية التنمية واداتها في الوقت نفسه, وان التنمية الحقيقية هي تنمية البشر وتطوير قدراتهم بحيث يصبحون اكثر قدرة على الوفاء باحتياجاتهم الاساسية,وهكذا فإن التنمية لا تقاس بالمباني الشاهقة او المصانع الضخمة, ولا حتى بمجرد متوسط الدخل الفردي, وانما تقاس بنوعية الحياة في المجتمع. وعندما نتحدث عن نوعية الحياة فإننا نشير الى مفهوم مركب يتضمن متوسط العمر المتوقع للانسان عند الميلاد (باعتباره مؤشرا لحالة الصحة العامة في المجتمع) ونسبة الامية والالتحاق بالتعليم (باعتبارهما مؤشرات لحالة التعليم), ومتوسط نصيب الفرد من الدخل القومي (باعتباره مؤشرا لدرجة التقدم الاقتصادي), ولكن قياس التنمية البشرية لا يكتفي بمؤشرات الصحة والتعليم والدخل وانما يدخل في اعتباره ابعادا اخرى مثل درجة الحريات العامة في المجتمع ومدى السماح بحرية التعبير عن الرأي. ان مفهوم التنمية البشرية يركز على دور البشر ونوعيتهم, كما يركز على قدرة البشر على استثمار الموارد الطبيعية, وعلى زيادة القيمة المضافة, وعلى الابتكار والتجديد, ويتضمن مفهوم التنمية البشرية معنى يتعلق بأهمية القدرة الذاتية على النمو, ومعنى التنمية المتواصلة او المستدامة. واقصد بذلك ان التنمية الحقيقية لا يمكن ان تكون معتمدة على الخارج وحسب, بل ينبغي ان ترتكز على اسس نابعة من داخل المجتمع ومن قدرات البشر, وهذا هو الضمان الوحيد لاستمرارها وتواصلها. واذا كان مفهوم التنمية البشرية ينطبق على كل المجتمعات, فإنه يصبح اكثر اهمية لتلك التي لا تتمتع بوفرة سكانية, ففي هذه الحالة ينبغي ان يزداد (الكيف) لكي يعوض نقص (الكم) . فهذا المفهوم يعيد الاعتبار الى العلاقة بين التنمية والانسان, فكل المؤشرات الاقتصادية لا معنى لها في حد ذاتها الا اذا ادت الى رفاهية الانسان وسعادته ورفع مستواه المادي والمعنوي, والتنمية المستهدفة تنمية شاملة بمعنى انها تحيط بكافة جوانب المجتمع, وهي تنمية متواصلة اي انها تأخذ حقوق الاجيال المقبلة في الحسبان ولا تهدر موارد المجتمع لصالح جيل واحد, وهي تنمية تضع الانسان في مكان القلب والصدارة... كيف لا والانسان هو خليفة الله في الارض.