في كل الدنيا يعرف الناس ان البنوك او المصارف ماهي سوى مؤسسات تجارية ربحية بحتة, تصل الى اهدافها عن طريق مجموعة من العمليات والتعاملات وفق قوانين وتنظيمات داخلية خاصة بالمصرف , وخارجية تضعها الحكومات كقيود وضمانات عن طريق المصارف المركزية, وكل تجاوز لهذه القوانين الداخلية والخارجية يقود حتما لكوارث تتكبدها البنوك احيانا كما حدث عندنا منذ فترة في قضية التاجر الهندي ( باتيل) او يتكبدها الافراد كما يحدث يوميا وفي كل مكان. لا علينا مما تتكبده البنوك فهذه قضيتها التي تعرف بلا شك كيف تتجاوزها مثلما دبرت مسبقا كيفية التورط فيها, ولكن حينما تقع هذه الكوارث على الافراد العاديين او على بسطاء الناس فان الكارثة تتعدى الناحية الاقتصادية الى عمق القضية الانسانية . ان تلك المواطنة العجوز التي تقف بانكسار واضح على عتبات نهاية العمر, تفضح علنا تجاوزات بعض المصارف وبشكل اقرب للمأساة, هذه السيدة التي كانت ذات يوم كما اعتقد عاملة بسيطة ربما في مدرسة او مستشفى هي اليوم تتلقى معاشا تقاعديا لايتجاوز الـ ( 2500) درهم ربما لا تستفيد من درهم واحد فيه! وفي وزارة المالية كانت تقف امام موظف بسيط تشكو له حالها وتطالبه بمخرج لايملك ان يقدمه لها, فالقضية اكبر منه ومنها ومن الوزارة. بالكاد تستطيع ان تضع بصمتها على الاوراق الرسمية, ومع ذلك فان هذه العجوز لا حق لها اليوم في وضع هذه البصمة كي تستلم بعدها معاشها من وزارة المالية, والسبب باختصار ان المعاش يستولي عليه البنك حتى آخر فلس !! تسديدا لقرضين تلتهم اقساطهما الشهرية كل المعاش!! نحن اليوم نسائل المصرف المركزي وادارات المصارف: بأي حق يسمح لهذه السيدة بكل (مؤهلاتها) المتواضعة عمرا وصحة ودخلا وفهما, ان تحصل على قرض وان تكفل شخصا مقترضا آخر, ثم لاتجد بعد ذلك من معاشها بقايا دراهم تعيش عليها حتى بطريقة الكفاف. لقد كانت تبكي بحسرة وألم, وكم هو قاس قهر الشيخوخة, وكم هي شرسة ومتجبرة آليات التعاملات البنكية, حيث القضية خارج مناخ الانسانية والعواطف والرحمة, رأس المال شرس وجبان, ولاينظر سوى الى مرآة ذاته, وليذهب الجميع الى الجحيم من يستحق ومن لايستحق, فالارقام باردة بلا قلب, لكننا بقلوبنا مع هذه السيدة وآخرين مثلها بلا شك وقعوا في قبضة القروض, وهم الان اما سجناء يدفعون من اعمارهم, واما مخنوقون بدفع اقساط تلتهم رواتبهم فلا يتبقى شيء منها واما مرضى واما.. واما.. ان بعض المصارف تتجاوز حدودها وتتحايل على قوانين المصرف المركزي بشكل بشع من اجل المزيد من المقترضين والمزيد من الفوائد الربوية, والا فما معنى ان يقترض موظف مبلغ (250.000) درهم وهو الحد المسموح به من قبل المركزي, ثم يتحايل المصرف بتدبير قرض آخر للموظف نفسه وبنفس المبلغ باسم رخصة تجارية يمتلكها هذا الموظف, انه فخ باسم التسهيلات لا اكثر, ومن اليوم لايملك رخصة تجارية من السادة المواطنين؟ وما اكثر السادة المواطنين المتورطين في قروض بنكية سهلتها لهم بعض البنوك وزينتها لهم. (القانون لايحمي المغفلين) هذا صحيح, لكن اطلاق هذه القاعدة على عموميتها يحمي الكثير من الجهات التي تتجاوز بذكاء وتورط الاخرين تحت ضغط الحاجة او الطمع. مطلوب جدا وبشكل حازم الالتزام بقوانين المصرف المركزي الرادعة, ومطلوب من المركزي ان يتابع ويتقصى.. والا فإذا تركت المسألة لكل حسب اجتهاده فإن كل الاجتهادات تسير نحو الكارثة!!