من الامثلة التي درج اساتذة الاقتصاد على روايتها للطلاب المبتدئين في الجامعات على تعاقب الاجيال حكاية انتاج البن في البرازيل في الثلاثينات عندما عمد اصحاب الشركات الامريكية المحتكرة لعملية تسويق البن البرازيلي عالميا الى اتلاف كميات ضخمة من محصول الموسم باحراقها او القائها في البحر بغرض خلق ندرة في العرض على مستوى السوق العالمية حتى يصعد الطلب.. فتصعد الاسعار. وكطالب اقتصاد في بريطانيا خلال عقد الستينات اذكر ان استاذ مادة (التسويق) كان عندما يأتي على ذكر هذا المثال واشباهه يحرص على تنبيهنا بأن هذه حالة (متطرفة) تحدث عندما يغالي اصحاب رأس المال في طلب الربح بأية وسيلة حتى لو تطلبت تجاوز اي حد ادنى للقيم الانسانية. وتمنيت لو كان استاذنا على قيد الحياة حتى الان ليشهد تنامي ظاهرة في الولايات المتحدة تسمى (يوثاناسيا) , في قاموس اكسفورد نجد معنى هذه الكلمة كما يلي: (قتل شخص بطريقة غير مؤلمة لتخليصه من الوجع) , ومن قبيل الاختصار تسمى الظاهرة الان (قتل الرحمة) . لقد اختلفت الولايات في امريكا تجاه هذه الممارسة.. فبعض الولايات تحرمها والبعض الاخر تسمح بها بعد ان شرعت لها قوانين خاصة لكن لا احد يشك في الدوافع (الانسانية) للاطباء الذين يمارسون (قتل الرحمة) حتى لو خالف قوانين سارية, فالقتل في هذه الحالة يمارس على شخص يعاني حالة مرضية خطيرة لايرجى شفاؤها على ان تتم عملية القتل بطريقة غير مؤلمة (عن طريق الحقن مثلا) وبناء على رغبة الشخص المريض. وبغض النظر عن حرمة مثل هذا الفعل في الاديان السماوية كيف نضمن ان الاطباء ــ في مجتمع رأسمالي يعتبر الربح وتعظيم الربح باية وسيلة دينا قائما بذاته ــ يتصرفون دائما بالدافع الانساني, لا دافع الكسب المادي, في هذه الاحوال؟ ونعود الى البرازيل.. لابرازيل الثلاثينات ومحصول البن وانما برازيل التسعينات التي تعتبر الان في مقدمة النماذج المتميزة كمثال لنجاح (اقتصاد السوق الحر) . فالاخبار من هناك تروي قصة طبيب يمارس (قتل الرحمة) بتواطؤ تجاري ربحي مع شركات دفن الموتى! حتى الان بلغت حصيلة القتل 152 مريضا قضوا بناء على طلبهم بنزع اجهزة التنفس عنهم او بحقنهم بحقنة من كلورات البوتاسيوم, واكتشفت الشرطة ان الطبيب متعاقد مع عدد من شركات دفن الموتى.. يتلقى منها عمولات.. اذ كان بنفسه يدل عائلات المرضى القتلى على هذه الشركة او تلك. وربما يقال انه بوسع الحكومات التي تشرع مثل هذا القتل ان تفرض ضوابط قانونية بهدف الحيلولة دون استغلال الاطباء للترخيص استغلالا ربحيا لكن هذا لن يمنع التحايل القانوني, فالقوانين في الولايات المتحدة مثلا لم تمنع ازدهار تجارة المخدرات. وهذا هو جوهر القضية في اطارها الاكبر: اين تنتهي حدود حرية اقتصاد السوق.. واين تبدأ حدود القيم الانسانية؟ وهل تستطيع القيم الانسانية اصلا ان تصمد امام طوفان تحقيق الربح بأية وسيلة؟ ان مشكلة مجتمع رأسمالي متقدم كمجتمع الولايات المتحدة هي ان حدود قدسية (الحرية الشخصية) التي تعتبر حرية السوق امتدادا اقتصاديا لها تلاشت تماما, فما كان محرما بالامس كممارسة مستهجنة صار اليوم حقا دستوريا مقدسا من حقوق الحرية الفردية. ويدخل ضمن ذلك الشذوذ الجنسي الى درجة اباحة (التزاوج) بين رجل ورجل وامرأة وامرأة.. واباحة الزواج الطبيعي بين رجل وامرأة وانجاب اطفال دون تعاقد زواجي, وتضم القائمة ايضا اباحة بيع وشراء الاسلحة دون ضوابط مما يعتبر اهم اسباب انتشار الوباء الاجرامي. ومؤخرا ارتفعت اصوات في امريكا تطالب برفع الحظر القانوني عن تجارة المخدرات. غير ان ماهو اجل خطرا هو حملة التبشير المتنامية في الوطن العربي والعالم الثالث عموما الداعية, الى مبادىء (اقتصاد السوق الحر) وتطبيقها دون محاذير خلقية. كاتب صحفي وسفير سوداني سابق