يأتي اللقاء التشاوري نصف السنوي الاول الذي عقده قادة دول مجلس التعاون الخليجي في العاشر من شهر مايو الجاري بالمملكة العربية السعودية, ليشكل استجابة, ولو جزئية, لمتطلبات المرحلة الراهنة المتسمة بتحديات كبيرة, وخروجاً عن المألوف والمعتاد في القمم السنوية التي درج المجلس على عقدها سنوياً منذ تأسيسه في العام 1981م . اللقاء التشاوري جاء بناء على اقتراح تقدم به امير دولة الكويت الشيخ جابر الاحمد الصباح, وصدر بشأنه قرار في قمة ابوظبي التي عقدت في ديسمبر من العام الماضي يقضي بعقد لقاء تشاوري نصف سنوي لاصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس. ورغم ان اللقاء تم دون اعداد جدول اعمال مسبق, ولم يصدر في نهايته بيان ختامي, إلا انه يسجل سابقة طيبة يمكن لها ان تؤسس تقليداً لدى قادة مجلس التعاون من شأنه دفع عجلة العمل الخليجي المشترك الى الامام, ومواكبة المتطلبات الملحة التي لا يمكن لها الانتظار عاماً كاملا كي تعالج في القمم والاجتماعات الاعتيادية السنوية. ربما يصعب تقييم اللقاء التشاوري الاول, وهو لايزال في بداية التنفيذ, بيد ان وضع الاسس اللازمة والضرورية لإنجاح اي لقاء هي من الاهمية اذا ما تعمقت هذه اللقاءات ووضعت لها آلية عمل قادرة على انجاز المهام المطلوبة منها. فالخليج يعج بقضايا كثيرة, فعلى الصعيد الاقتصادي, حيث ارهاصات تذبذب اسعار النفط خلال الخمسة عشر شهراً الماضية فعلت فعلتها من ناحية الارباك في الاداء الاقتصادي العام بقطاعيه العام والخاص, كما ان عدم وجود ضمانات متينة لعودة الانهيار السعري بعد ان قفزت الاسعار منذ شهر ابريل الماضي لتحقق مكاسب ملموسة لخزائن الدول النفطية قد تنسيها حقيقة الوضع القائم المتسم بالضعف والضبابية. فقد فقدت الدول المنتجة خلال الانهيار الكبير الذي بدأ في يناير 1998, اكثر من ثمانين مليار دولار من ايراداتها, او ما يقدر بنحو خمسين بالمئة من دخولها النفطية, ما خلق حالة من الرعب والارباك في الاوساط الاقتصادية والسياسية, فجمدت مشاريع حيوية, واغلق الباب امام العمالة في المؤسسات الحكومية وقلص الانفاق على الخدمات العامة, فتراجعت الاداءات في قطاعات التعليم والصحة والاسكان, وبدأت تتشكل نسب من البطالة في العمالة المحلية تنذر بزيادة مؤثرة سلباً في الجانب الاجتماعي, حيث تقدر في دول المجلس بما يتراوح ما بين اربعة الى عشرين بالمئة. وهذه نسبة كبيرة حتى في حدها الادنى في دول تعتمد بشكل كبير على العمالة الاجنبية التي تصل اعدادها في مجموع دول المجلس الى ما يزيد على الثمانية ملايين نسمة اغلبهم من الاسيويين غير المدربين, الامر الذي يضاعف من الضغط الاقتصادي والاجتماعي والنفسي على المجتمع, ويحد من الاستفادة المرجوة من عودة اسعار النفط الى ما كانت عليه قبل سنتين (96 ــ 1997م) , اذ ان هذا الحجم من العمالة الاجنبية يفرض نمطا معيناً من الانفاق الذي سيذهب اغلبه لمواجهة متطلبات ملايين العمال القادمين من الخارج في مواقع المرافق العامة كالطرق والكهرباء والماء اضافة للتطبيب وغيرها من الضرورات الحيوية. اما في الجوانب السياسية والاجتماعية, فإن انعكاسات الجانب الاقتصادي ستكون مؤثرة, وهي تعمل الآن بشكل مضطرد تأثراً بالاقتصاد. لكن الحالة القائمة بحاجة الى وقفة جادة لمعالجة اشكاليات داخلية واقليمية ودولية, ولانه زمن المصالحات والتحول من العداء الى التعاون, فان البداية لابد وان تكون من الداخل الخليجي بهدف تعزيز اللحمة الداخلية وتطويرها حتى تكون قادرة على مواكبة التغيرات الحاصلة في العالم اجمع ومواجهة اية تحديات مقبلة هي في حقيقة الام احتمالات قائمة خاصة في ظل التحولات الدولية نحو تشكيل الكيانات الكبيرة القائمة على اسس (عولمية) محصنة باتفاقيات دولية قادرة على اجتياز الحدود القطرية والاقليمية دون استئذان من جمارك الدول وسلطاتها. الانفراج الداخلي لا شك انه سيحقق مكسباً نحو انفراجات اقليمية, بدت ملامحها في ترطيب العلاقات الخليجية الايرانية من جهة والمحاولات الجادة في اغلاق ملف الحدود بين بعض دول مجلس التعاون الخليجي والتي طال انتظار وضع الحلول الجريئة والمستديمة لها للتفرغ لتحقيق تطوير شامل في العلاقات نزوعاً نحو وحدة المنطقة ابتداء من تأسيس الاتحاد الجمركي المقرر ان يرى النور مطلع العام 2001م, وصولاً لوحدة سياسية ليست مستحيلة لكنها بحاجة لعمل مضن وجهود جبارة لسبر غورها. لقد آن اوان (حسم الامور المعلقة) كما دعا الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة امير دولة البحرين الذي يجد في هذا الحسم (كسب رهان المرحلة المقبلة) . ان الخيارات تدفع باتجاه مزيد من تعزيز الوحدة الخليجية. والسؤال الذي يراود الكثيرين يتمثل في الكيفية التي ستعالج بها دول التعاون متطلبات المرحلة المقبلة وتحدياتها. فاذا كانت مئات المليارات من الدولارات العائدة للقطاع الخاص الخليجي لاتزال (هاربة) في الخارج, فان المطلوب البحث في الآلية التي يمكن لهذه المبالغ الكبيرة, او لجزء منها, ان تستثمر في الاسواق الخليجية الباحثة اصلاً عن استثمارات اجنبية فيما اموال مستثمريها موزعة بين اوروبا وامريكا وآسيا. لذلك فان مسألة مشاركة القطاع الأهلي بقوة في تعزيز الاقتصاديات المحلية والتي دعا اليها الشيخ حمد, قبيل انعقاد اللقاء التشاوري, تجيء في وقتها, وهي مناسبة لإعادة فتح ملف المعوقات التي تواجه القطاع الخاص من الاستثمار في الداخل الخليجي, اما من ناحية تحديث قوانين الاستثمار التي تحمي هذا القطاع وتحمي رؤوس امواله المستثمرة عبر تشريعات واضحة ومرجعية قانونية مستقلة تكون قراراتها نافذة على الجميع, او من ناحية اشراك هذا القطاع في صياغة التوجه المستقبلي للتنمية بما فيه كيفية معالجة قضية العمالة المواطنة, والبحث عن مخارج لوضع حد لتدفق العمالة الاجنبية بما يعزز الاستقرار الداخلي. نخلص الى القول بان اللقاء التشاوري الاول يعتبر خطوة في جهود دول المجلس من اجل تمتين قدراتها الذاتية لدخول الالفية الثالثة بشيء من القوة والثبات, ومواجهة المعضلات المحتملة بعيداً عن الاحتفالية غير المرغوبة.