لا يكف نجوم المجتمع من رجال الأعمال عن الصراخ والشكوى من الصحافة (الصفراء) التي تطاردهم في سهراتهم الخاصة وتفتش في ثيابهم الأنيقة وتتدخل في حياتهم الشخصية وتضع وجهها في أطباق الطعام التي يتناولونها.. يعتبرون ذلك تدخلا سافرا في حريتهم يستحق من يرتكبه الحبس والطرد من المهنة.. كما أنهم يعتبرون هذا النشر نوعا من إثارة الأحقاد بينهم وبين الفقراء الذين يكملون العشاء بالصلاة والدعاء وطلب العون والمدد من المشايخ وأولياء الله الصالحين. وأنا أعرف أن كبار المسؤولين في مصر أصابهم الصداع بسبب هذه الشكاوى التي لا تنقطع.. والتي تتهم الصحافة بتخريب حياتهم وتدمير سمعتهم.. وأعرف أيضا أن رجال الأعمال دسوا أنوفهم في معظم صفحات المجتمع في الصحف الخاصة بالذات.. ليس فقط اتقاء لشرورها وإنما أيضا لاستغلالها في الصراع الخفي بين بعضهم البعض. لكن.. يبدو أن ما يرفض رجال الأعمال أن نقرأه عنهم في الصحافة التي تصدر باللغة العربية يفخرون بنشره بأنفسهم وعلى ألسنتهم وبالوصف التفصيلي وبالصور المثيرة في الصحافة التي تصدر باللغات الأجنبية.. وكأن من حق الأجانب والغرباء أن يعرفوهم حتى النخاع وتحت الجلد.. أما نحن ــ فمثل أبناء الجواري ــ ليس لنا الحق أن نرى إلا الصورة الرسمية التي يفرضونها علينا.. ولو فرضنا الصورة الحقيقة فسوف نتهم بالتشهير والتشويه وتحطيم تصرفاتهم الملائكية وتصويرهم بصورة شيطانية على عكس حقيقتهم. في أول مايو 1999 ــ وبينما مصر تسترخي احتفالا بعيد العمال ــ صدر عدد جديدة من مجلة مصرية شهرية فاخرة.. ترخيصها من قبرص.. مكتبها الرئيسي في القاهرة تهتم بمجتمع رجال الأعمال.. وأخبارهم.. وعالمهم العام والخاص.. بل وحياتهم الشخصية.. وزوجاتهم.. وأولادهم.. وسهراتهم.. وهوايتهم.. في هذا العدد فوجئت بموضوع عن زوجة رجل أعمال شهير (معروف عنه شكواه الدائمة والمزمنة من الصحافة) وقد تحولت بصورة أو أخرى الى (مانيكان) تستعرض في أوضاع مختلفة بعضاً مما في خزانة ثيابها من موديلات تقول انها تنفرد بالحصول عليها من (ميلانو) .. لأن (جميع المحلات الهامة متمركزة في شارع أو شارعين وتضم الأفضل) .. ولا تنسى أن تذكر مكانا آخر هو نيويورك (لأنها متنوعة للغاية وكل ما هو جديد في عالم الأزياء لابد وأن يكون موجودا هناك) .. لكنها تعود وتطمئننا بأنه ليس لديها مصمم (أزياء) مفضل (لأنني لا أرغب في أن يلصق بي اسم معين.. إنني أفضل كل ما هو جميل وما يعتبر مختلفا وفريدا) .. وان كانت بيوت الأزياء التي ذكرتها ليست من النوع المعروف إلا لأغنى الأغنياء في العالم.. والتي لا تنتج من كل موديل سوى عدد محدود من القطع.. وهو ما يجعل المرأة التي تحصل عليها ليست أنيقة فقط بل متفردة أيضا.. ومن ثم فإن سعر القطعة الواحدة يعادل عشرة أضعاف سعر ما تبيعه بيوت الازياء الشهيرة جدا في باريس. ويبدو من تأمل الصور ــ التي نشرت كل منها على صفحة كاملة ملونة ــ أنها تحافظ على ان تكون أناقتها طازجة.. وعلى اخر صرخة.. وهو ما يتيح لنا أن نعرف آخر هذه الخطوط والموديلات.. ميكرو جوب.. تلتصق بالجسم غالبا.. مفتوحة من الجانبين أو جانب واحد.. أو من الأمام.. بأطوال مختلفة.. بعضها بكل المقاييس أطول من المعتاد.. وبعضها يتجاوز ثلثي الساق.. أما موديلات الجزء العلوي فعارية الذراعين في معظمها.. وعارية الصدر أحيانا وبدت ألوان الثياب فاقعة.. صارخة في أغلبها.. مع حذاء مناسب بالطبع لكل موديل.. لكن هذا لا يمنع أنها تقول: ان (الشيء الذي أتمسك به على الدوام هو عدم الخروج من منزلي دون أن يكون حول رقبتي صليبي الذهبي الصغير) . ولو نشرت صحيفة مصرية واحدة ــ من الصحف التي يقرؤها العامة وهم يدخنون المعسل ويشربون الشاي الأسود ويمزقون وقتهم بالثرثرة ــ هذه الصورة والتعليقات المصاحبة لها لكانت كل التهم المعروفة وغير المعروفة من نصيبها.. وربما وجد المسؤولون عن تحريرها أنفسهم أمام النيابة والنقابة متهمين بأكبر جناية. وهو ما يعني أن لمجتمع رجال الأعمال في غالبيته العظمى حياة تختلف, غير حياة الناس في مصر.. أفراده لهم سلوكيات مختلفة.. وآراء مختلفة.. وحياة مختلفة.. وهذا من حقهم تماما.. لكن ليس من حقهم أن تكون الصورة التي يقدمونها لنا باللغة العربية غير صورة التصدير باللغات الأجنبية.. وليس من حقهم الصراخ ضد نشر الاستهلاك المحلي والتصفيق والاعجاب لنشر التصدير.. انها شيزوفرنيا وانفصام في الشخصية الاجتماعية.. فنحن باللغة العربية نقرأ آراءهم الاقتصادية وأخبارهم وصورهم التي يلعبون فيها دور المحسن الكريم على الفقراء والمساكين واليتامى.. أما الذين يقرؤون باللغات الأجنبية فيعرفون عنهم الوجه الحقيقي والصورة الدقيقة التي يعيشونها. باللغة الانجليزية تقول بطلة التحقيق الصحفي المصور بكامل وعيها وإرادتها وبدون تلصص أو ضغوط عليها: (لدي مجموعة ضخمة من الأحذية حتى أنني لا أستخدمها كلها لدرجة أن زوجي يتهمني بأنني مثل ايميليدا ماركوس.. أما مصمم أحذيتي المفضل فهو مانولو بلافيك) .. وأتصور أن الذين سمعوا عن مانولو بلافيك في مصر يعدون على الأصابع.. وان كان الذين سمعوا عن ايميليدا ماركوس بالملايين.. والمعروف أنها كانت تملك أكبر مجموعة أحذية في العالم.. وبعد طرد زوجها السابق فيليب ماركوس من حكم الفلبين ــ بتهمة الفساد والقسوة وإدارة البلاد بالحديد والنار ــ طاردتها الصحافة العالمية ولم تجد أفضل من موضوع أحذيتها الأسطورية للحديث عنها. على أن زوجة رجل الأعمال الشهير تعود لتنصح قراء المجلة (التي تكاد تكون تعبيرا عن مجتمع مغلق في مصر يفضل القراءة باللغات الأجنبية التي يجيدها ربما أكثر من اللغة العربية) بأن يكون الإنسان معتدلا في كل شيء (في الرياضة والنوم والطعام) .. لكنها تعود وتستطرد (إنني لم أحرم نفسي من شيء) .. و(المهم ان تكون راضيا عن نفسك وعن مظهرك) . ولو كان كما تقول (شعاري في كل ما هو غير رسمي في الملابس يتلخص في انه كلما كانت الملابس بسيطة كلما كانت أجمل) فإن رأيها و(شعارها) يختلف وينقلب تماما في ملابس السهرة.. فهي هنا تقول: (أفضل كل ما يبدو جميلا علي وأساسا ما يجعلني أبدو في شكل فريد ومثير) . وربما يكون هناك من يتسرع باستنتاج أن اثرياء رجال الأعمال في مصر يعيشون في حالة انفصال عن المجتمع المصري.. وليس المقصود بالانفصال أنهم لابد أن يأكلوا الفول ويدخنوا المعسل ويثرثروا على مقاهي سيدنا الحسين.. وإنما المقصود بالانفصال هو الانفصال في الهوية والشخصية المصرية.. والتفكير والارتباط بكل ما هو غربي.. شكلا. وتصورا.. وأسلوب حياة.. ويبدو هذا الانفصال خطيرا في وقت أصبح فيه رجال الأعمال رموزا بارزة للقوة والثروة والسلطة.. وأصبحوا طرفا مباشرا في قيادة المجتمع الى مقدراته وطموحاته.. ومن ثم يبدو مثيرا للخطر أن تكون ارتباطات وانتماءات هذه الرموز الى ثقافة وحضارة أخرى غير ما نعرفه وندعمه من ثقافة وحضارة في مصر.. خاصة في وقت تناقش فيه هذه القضية في كل المؤتمرات والندوات تقريبا والتي تتحدث عن كيفية الحفاظ على الهوية الوطنية في ظل ضغوط العولمة الشرسة. ورغم أن المقال المكتوب عن زوجة رجل الأعمال يصفها بأنها عصرية ومصرية إلا أن كاتبة المقال تقول في مبالغة واضحة: انه (أصبح من النادر في أيامنا هذه العثور على امرأة مصرية ذات طابع عصري حقا.. واثقة من نفسها.. مستقلة.. ذكية.. ونشطة وفقا للتقاليد الغربية (الغربية وليست العربية).. وكأن المرأة المصرية العصرية النادرة (حسب المجلة المصرية المكتوبة بالإنجليزية) هي التي تقبل أن تجيد دور المانيكان.. وأن تتحدث عن ثيابها الجذابة وأحذيتها التي تنافس أحذية ايميليدا ماركوس.. كأنها هي فقط التي ترتدي الميني جوب. وتفتح ثيابها من الأمام الى ما فوق الساق بكثير.. و(لاتحرم نفسها من شيء) .. أما المرأة المصرية التي تدرس في الجامعة.. وتحترف مهنة البحث عن المتاعب.. وتقف بالساعات أمام تجاربها في المعامل.. وتربي أولادها.. وترتدي ثيابا بسيطة من الصناعة المصرية فهي امرأة غير عصرية.. هي امرأة متخلفة.. رجعية.. لا تعرف السهر.. ولا تعشق السفر.. ولا تجيد التفرقة بين أنواع السيمون فيميه.. أو البان كيك.. أو أنواع المشروم والشاتوبريان. وتعتبرها كاتبة المقال أنها (امرأة تجمع بين التناقضات ولكنها تتميز بجاذبيتها وأناقتها) .. والتناقضات التي تجمع بينها هي (عشق السفر) و(العيش في مصر) .. أو أنها توفق بين حياتها النشطة واهتماماتها المتعددة.. أو بين متجرها الذي تباع فيه اسطوانات الليزر الموسيقية التي تعشقها ورعاية أولادها.. هذه هي المعجزة البشرية التي جعلت المجلة تفرد لها 8 صفحات وتصف ما تفعله بالتحدي الحقيقي.. دون أن يعرف كل من له صلة بالتحقيق المنشور المعنى الدقيق للتحدي الحقيقي للمرأة العاملة في مصر. لكن يبدو أن هؤلاء الذين يعيشون منفصلين عن الحياة والناس في مصر ــ والذين يبدو أن كل علاقتهم بالمصريين هي لتحقيق المكاسب الخرافية من ورائهم ــ لا يعرفون المعاني الحقيقية للكلمات المستخدمة.. كلمات مثل التحدي.. والاكتئاب.. والملل.. والتوفيق بين المتناقضات.. والصراع من أجل الحياة المستورة.. ويبدو أيضا أن الذين تضخمت حياتهم بالمال يتصورون أنهم يقدرون على شراء كل شيء به.. فهم يريدون الثروة.. والشهرة.. والمتعة.. والسلطة.. وعضوية البرلمان.. وصفة المحسنين الكرماء.. وشهادات الدكتوراه.. وحب الفقراء.. والصورة غير الحقيقية في الصحافة التي تصدر باللغة العربية.. والصورة المستوردة في الصحافة الأجنبية.. بل أكثر من ذلك بدأ بعضهم يبحث لنفسه عن تاريخ ثقافي ونضالي وثوري ينسب نفسه اليه.. والغريب أنه وجد بين المناضلين القدامى من هو مستعد أن يمنحه شهادة بذلك ولا نعرف ما هو المقابل. لقد تعمدت ألا أذكر الأسماء.. اسم المجلة.. واسم رجل الأعمال الشهير.. واسم زوجته.. فهدفي هنا ليس الإساءة.. ولا التشهير.. ولا القراءة الخاطئة لموضوع صحفي كان يمكن أن يمر دون أن نلتفت اليه.. لكن هدفي هو تنبيه مجتمع الأثرياء جدا في مصر أن يكسر عزلته.. ويندمج في المجتمع الأكبر والأوسع.. وألا تكون علاقته بنا مجرد الكسب.. وكأن أفراده هم وكلاء لشركات أجنبية اضطرتهم ظروف (البيزنيس) للإقامة في مصر.. أو كأنهم غرباء عن هذا المجتمع.. مع أن آباءهم خرجوا من طين وعرق وتقاليد وسلوكيات هذا الوطن.. وتعبوا كثيرا حتى أورثوا أبناءهم ما هم فيه الان. ولم يحدث أن بقي طويلا رأسمال لا يرتبط بجذوره.. ولا بمتاعب الناس من حوله.. ولم يراع الظروف التي يعيشون فيها.. وهي ظروف بكل المقاييس صعبة.. ومؤلمة.. فأكثر من 40% من الناس في هذا الوطن يعيشون تحت خط الفقر حسب الأرقام الرسمية.. والذين لم يعضهم الفقر بعد يفعلون المستحيل ــ في قتال يومي بطولي ــ من أجل ألا يحدث ذلك.. وأنا أعرف أن قيادة الدولة في مصر قد حذرت الكثير من رجال الأعمال من التصرفات الاستفزازية والتي تصل الى حد السفه في الانفاق على المظاهر.. وأعرف أن كل ما فعلوه هو أنهم اتهموا الصحافة المصرية بالمبالغة في ذلك.. لكن.. هذه هي زوجة واحدة منهم.. تحولت الى مانيكان.. وراحت تتحدث الى مجلة تعبر عنهم بحرية وصراحة وجرأة نحسدها عليها.. ويحسدها عليها أيضا الكثير من رجال الأعمال وأسرهم الذين يؤمنون بالارتباط بالجذور.. ويعرفون أن المجتمع في مصر لا يقبل التصرفات الحادة.. والمبالغات الحادة.. وأن كل الذين خرجوا عن هذه الخطوط الحمراء قد كسرت أعناقهم.