تحتاج الجهود الإغاثية والإنسانية التي تبذلها دولة الامارات لتخفيف معاناة لاجئي كوسوفو الى رصد وإبراز ليس ذلك بقصد الدعاية, أو المباهاة , أو الامتنان, بل من أجل تحقيق أهداف أخرى يأتي في مقدمتها شحذ همم الاخرين, وإثارة الحمية لدى المتقاعسين, بل ودعوتهم الى الاقتداء بمثل هذه الأعمال الجليلة في زمان تراجع فيه الكثير من القيم النبيلة, وتقدم فيه الاهتمام بالذات دون التفكير في معاناة الآخرين أو شؤونهم حتى ولو كان هذا (الآخر) يتشابه معنا في الهوية الثقافية, ويتحد في العقيدة الدينية. أبرز الجهود الإماراتية أثمرت إنجازاً هاماً في تسهيل مهمة العمل الإغاثي, وتمثل في إنشاء مطار الشيخ زايد بمدينة (كوكيس) الألبانية, القريبة من حدود كوسوفو وقد تم افتتاحه في الأسبوع الماضي. وكان صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة قد أمر بإنشائه, وأنجزه فتية من الإمارات, آمنوا بربهم, وأخلصوا لدينهم, وتسابقوا لنجدة إخوانهم. جرى الافتتاح بحضور سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئىس أركان القوات المسلحة, الذي كانت تتابعه قلوب الجماهير قبل عيونهم, وهو يتفقد الوجوه المضيئة لأولئك الفتية في تلك الساحة المشرفة, كان بودي أن أشد على يديه وأىديهم مقدراً ذلك العمل الجليل, محيياً فيه وفيهم تلك النخوة التي تجلت في ذلك الموقف المهيب. المطار الذي تم افتتاحه, بعد انتهاء المرحلة الأولى لإنشائه, بني لاستقبال طائرات الاغاثة, وستبدأ المرحلة الثانية لبنائه قريباً, وبالتنسيق مع الحكومة الألبانية وستشمل المرحلة الثانية تكبير مساحة المطار, وإطالة مدرجه الى نحو ألفي متر. وذلك حتى يمكن استيعاب طائرات عسكرية أكبر حجماً, بالاضافة الى طائرات مدنية متوسطة . في تصريح صحفي عقد بمناسبة افتتاح المطار, قال سمو الشيخ محمد بن زايد: إن فكرة المطار يقف وراءها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة, حيث ان (كوكيس) مدينة هامة. وهي إحدى الطرق الرئيسية الى كوسوفو كما أن عامل الزمن مهم في توصيل الاغاثة للاجئين. لم يكن مطار الشيخ زايد بكوكيس هو العمل الوحيد الذي قدمته الإمارات, بل ان هناك جهوداً أخرى أثمرت إقامة مخيم يستوعب أكثر من عشرة آلاف لاجىء, ويوجد به حاليا نحو 8600 شخص. وقال سمو الشيخ محمد بن زايد: ان التزام دولة الامارات بمساعدة شعب كوسوفو لا يدخل ضمن أي اتفاقية مع أية دولة صديقة أو حليفة. كما أن المخيم الذي تشرف عليه في كوكيس يستقبل المسلمين وغير المسلمين من الذين يحتاجون الى المساعدات الانسانية البحتة وذكر بأن المطلوب حاليا هو تطوير المستشفى الميداني, وكذلك الاحتياجات التعليمية والترفيهية. لم تقتصر تلك الجهود التي تبذل حاليا على ما قامت به الحكومة والمؤسسات الرسمية, بل وجدنا نشاطا منقطع النظير من قبل الهيئات والجمعيات الخيرية, ومشاركة شعبية واسعة لتلبية نداء الواجب القادم من كوسوفو. لابد أن نذكر هنا ان دولة الامارات لم تكن باسهاماتها الرسمية والشعبية هي الدولة الوحيدة في مجال العمل الاغاثي, فهناك جهود مشكورة قامت بها بعض الدول الخليجية والعربية. وإن كانت تجربة الامارات مميزة من خلال حجم مشاركتها ونوعيتها الأكثر بروزا, بل وفاعلية, في الميدان. وإذا تجاوزت (نموذج الامارات) , وذلك (الاستثناء) الخليجي والعربي, وتوقعت جهدا مماثلا على الصعيد الاسلامي العربي, فإنك ــ بلا شك ــ ستفاجأ بمدى فداحة التقصير الذي يعاني منه العمل الاغاثي, خاصة وانك بازاء حملة بربرية كبرى, اقتلعت شعبا من وطنه ودفعت بمئات الآلاف من البشر لاجئين يهيمون على وجوههم في المنافي والشتات, انقطعت بهم السبل, وانعدمت لديهم الموارد, وتسببت في تلك الكارثة الإنسانية التي نشهد فصولها المأساوية والمروعة في أوروبا القرن العشرين. هذا التقصير, بل التقاعس المشين, له أسبابه الظاهرة والخفية. وهناك ــ بلا شك ــ عقبات ومعوقات تحول دون إسهام رسمي حقيقي أو شعبي فاعل مؤثر. ولعل من المفيد في هذا السياق الاشارة إلى بعض القضايا ذات الصلة بهموم العمل الاغاثي في البلاد العربية والاسلامية. (شبهة) العمل الاغاثي تتمثل نظرة أكثر الحكومات العربية تجاه العمل الاغاثي الإنساني الذي تقوم به المنظمات والجمعيات المعنية بهذا الأمر في الاشتباه في الدوافع الحقيقية لأنشطتها ومجالاتها ومصادر تمويلها وأوجه انفاقها. ومن ثم كان الشك وسوء الظن هما الأساس في التعامل مع تلك المنظمات والجمعيات, لا العكس الذي يمثل شذوذا وخروجا عن القاعدة. ويزداد الشك ــ بطبيعة الحال ــ, ومن ثم الإثم, اذا اقترنت تلك الهيئات بالشعارات الدينية, خاصة الاسلامية منها وهي نظرة ناتجة عن الحساسية المفرطة ازاء كل ماهو ديني, الذي يعد وفقا لتلك الرؤية السلبية, رمزا للعنف والارهاب والتطرف, فضلا عن البؤس والتخلف وهي سمات تعتبر ادلة كافية لادانة كل من يرفع اي شعار يعكس ذلك الانتماء الديني (المشبوه) اما الموقف (المخفف) من نشاطات تلك الهيئات فيتمثل في النظرة التي ترميها بالرياء والمزايدة والمتاجرة بالشعار الديني الذي ترفعه! فهي لاتبغى من وراء تلك الحملات وجمع التبرعات سوى السمعة والدعاية. الموقفان واضحان في المشهد العربي في شأن العمل الاغاثي وقد نتج عن ذلك احداث بلبلة وتردد حتى في الاوساط التي تعاني اصلا من مشكلات التطرف الديني والارهاب الذي يلصق به. منذ اسابيع كتب الاستاذ فهمي هويدي في جريدة الشرق الاوسط 26/4/1999 حول عقدة الاغاثة في البلاد العربية واشار الى شبهة الاسهام فيه, وقال: ان اكثر الحكومات العربية اصبحت (معقدة) ضد فكرة اغاثة المسلمين وبعضها لايزال يعاني من الحساسية ازاء فكرة التضامن الاسلامي, من خلال الافعال وليس مجرد الاقوال اذ منذ تم الربط بين الاغاثة والتطرف والارهاب وغذى الاعلام الخبيث هذه الفكرة ورحبت بها الاجهزة الامنية التي تعتبر ان الاصل في الجميع هو الاشتباه والاتهام وليس البراءة, منذ ذلك الحين ادرجت فكرة الاغاثة عمليا في القوائم السوداء, ووضعت المنظمات الاغاثية في قفص الاتهام اما العاملون في تلك المنظمات فقد وزعوا بالعدل والقسطاس على قضايا الارهاب, باعتبارهم قادمين من افغانستان او البانيا او البوسنة, بحسبان ان قدومهم علامة على انهم اتموا (جريمتهم) التي يستحقون عليها العقاب! رواد المواقف المجانية منذ بداية محنة كوسوفو, والتي بدأت فصولها المحزنة واشتدت منذ فبراير العام الماضي وانظار سكان الاقليم تتوجه, وبحكم الوشائج العقائدية, الى العالم الاسلامي, بحكوماته, ومنظوماته وهيئاته وعامته غير ان الاشارات وردود الافعال التي صدرت عن تلك الجهات جاءت وكما هو معلوم, دون توقعات ضحايا الاجتياح الصربي بل كانت بعض المواقف الرسمية لبعض الحكومات العربية ذات الانظمة (التقدمية) و(الثورية) صدقه كبرى للكافة, حيث لم تكتف بحالة التقاعس المشينة, بل تجاوزت ذلك الى حد الاعلان عن موقفها المساند لنظام بلجراد ومطالبته بالصمود في وجه (عدوان) حلف شمال الاطلسي اما (رواد) المواقف المجانية فهم الذين لم يتجاوزوا الاقوال الى الافعال, ولا البيانات الاستنكارية الى المساندة الفعلية, فبعض الحكومات العربية والاسلامية عبرت عن (قلقها البالغ) تجاه ما يحدث للالبان في كوسوفو. وآخرون طالبوا بلجراد قبل بدء الحملة الاطلسية, بوقف اعتداءاتها على سكان اقليم كوسوفو وآخرون بلغاء متخصصون في صياغة بيانات الشجب والاستنكار استدعوا مهاراتهم البلاغية ووصفوا الصرب بالاوصاف اللائقة بهم, ثم جرى توزيع تلك البيانات على وسائل الاعلام لاعلانها على رؤوس الاشهاد. ويبدو ان هدف تلك البيانات هو اعلان براءة الذمة وتسجيل ذلك (الموقف) بحسبانه اداء للواجب وقياما للمسؤولية التي تنتهي عند هذا الحد. فيما عدا هذا وذاك فإن الامور تسير بشكل طبيعي بين الاطراف العربية والاسلامية المستنكرة (بكسر الكاف) ( وبين القائمين على الاجهاز على الضحية في كوسوفو, بل وتشهد علاقات بعض اطرافنا العربية مع نظام الصرب تطورا ملحوظا حتى في ظل هجمة التشريد والابادة الجارية الآن ـ وقد تجلى ذلك في عقد المزيد من الصفقات التجارية وغيرها. الذي يريده المرء ويتمناه ان تكون هناك مراجعة جادة لما يحدث على ارض كوسوفو وفي الشتات وان نستوعب كذلك الاشارات التى نتلقاها من تلك الساحة كل يوم فكل اشارة منها تمثل درسا بليغا لكنه بحاجة الى من يعيه ويفهمه فهل من معتبر؟