من بين كل المباني الجميلة, الجديد منها والقديم, الواقعة على ضفتي خور دبي, يلفت الأنظار مبنى غرفة تجارة وصناعة دبي , لا لفخامة مبناه وجمال تصميمه الذي يذكر بتصاميم العمارات الشاهقة في مدن هونج كونج وطوكيو وسنغافورة, فذلك مما لا ينكره عليه أحد, وانما لأنه الوحيد من بين المباني مظلم أسود, فيما الأخرى تشع منها الاضاءات والأنوار, فتعطي للخور بهجة ورونقا في الليل. وهكذا فقد لفت المبنى, كما قد يكون قد لفت أنظار آخرين من زوار دبي والمقيمين فيها أو السائحين اليها, نظر صحفيين أثناء نزهة بحرية في ليل دبي, فكثرت التعليقات على إظلامه حتى ليبدو كالجمل الأجرب بين العمارات الأخرى المشرقة ضياء, وبما أني شاهبندر التجار كنت من بينهم, فقد أحالوا الأمر لي لكي أفسر لهم هذا الإظلام, فسقط في يديّ ورحت في تفكير عميق. ويمكن طبعا ان أعلل لهؤلاء الصحفيين ان المبنى في حالة حداد منذ انشائه في صورته الجديدة وحتى اليوم على شقيقه المبنى القديم, لذلك فهو يكتسي بالسواد ليلا ونهارا, أو ان اقنعهم بأن اللون الأسود له خصوصية في جماله وتفرده بين الألوان, لذلك فالغرفة تريد أن تميّز نفسها بين المباني الأخرى فتكون كحبة خالٍ على صفحات خد أو كنقطة عنبر في صحن مرمر, فيزداد مبناها جمالاً في عيون الناظرين. وهكذا فإنه يمكنني, وبصفتي شاهبندر التجار ان أدافع عن إظلام الغرفة إلى ما شاء الله, حتى أصل بالصحفيين الى ان الإظلام مقصود لذاته, بقرار من مجلس الادارة بعدم إضاءة الغرفة ليلا كباقي العمارات المجاورة لها, وذلك إلى حين أن يسترجع العرب والمسلمون القدس الشريف من القبضة الاسرائيلية, فتشتعل فيها الأنوار والمصابيح الكهربية مرة وإلى الأبد ومن دون انطفاء احتفالا بعودة القدس, لولا ان حبل الكذب قصير, والمريب يكاد يقول خذوني, وعيون الصحفيين تكاد تأكلني. وبما ان الصراحة أحياناً شر لابد منه, فقد رأيت انه من الأفضل مصارحة الزملاء بالحقيقة, وهي ان الغرفة بما تمثله من قيّم اقتصادية ومالية ضد الاسراف والتبذير, وهي فلسفة تجارية نرضعها نحن التجار مع حليب النيدو صغارا ونعلمها لأولادنا من بعدنا, وعليه فان اضاءة الغرفة طوال الليل لمجرد أن تظهر بمظهر أنيق اسراف ما بعده اسراف, لا يستقيم مع فلسفتنا, نحن الذين نعود الناس وندعوهم الى الاقتصاد والتوفير. غير ان الصحفيين كالعادة لم يقنعهم هذا التفسير ايضا, وأجمع أغلبهم على تكريس النظرة التقليدية للتجار حين وصفونا بالبخل, وفسروا ان اظلام الغرفة يدخل في هذا السياق ليس الا, وهدد بعضهم في انه إذا لم تبادر الغرفة الى اضاءة المبنى حفاظا على رونق المدينة, فإنهم سوف يقومون بجمع التبرعات لنا, لكي يتولوا بالنيابة عنا تسديد فواتير الكهرباء, فيما هدد آخرون بشراء ألواح شمسية وتعليقها فوق سطوح المبنى لكي تمد المصابيح بالطاقة اللازمة للإضاءة, فلا يكون للغرفة من عذر في عدم اضاءة المبنى, خاصة ان الشمس بتاع ربنا وهي في بلادنا تكفي ولله الحمد لاضاءة العالم كله, لا مبنى الغرفة وحده. وواضح طبعًا ان ما سبق هرطقة لا تخيفنا نحن تجار الديرة, وقد سبق ان سمعنا منه كثيرا, خاصة ان الناس لا سيرة لها الا التجار, إلا ان أحد الحاضرين, يبدو عليه انه من الدارسين في الخارج, هدد بما هو أكثر من ذلك, حين قال ان البلدية عليها ان تصدر قرارا يلزم باضاءة المباني في الليل على واجهة الخور, لأن المنظر العام للمدينة حق عام ينبغي الحرص عليه, ومع ذلك فإني بوصفي شاهبندر التجار, أهدد بدوري بانه اذا صدر مثل هذا القرار فان بامكاننا أن نزين مبنى الغرفة بكامله من الخارج بمصابيح, ولكن سوداء اللون, استهلاكها للكهرباء أقل من غيرها بما لا يقارن, لأنه لا أحد يمكن أن يجبرنا على أن نصرف فيما لا نحب, فعلى هامان يا فرعون ..