إذا كنتم على استعداد نفسي للدخول في حوار مع النفس, فليحاول كل واحد منكم أن يسأل نفسه هذا السؤال: كيف كنت؟ وكيف أصبحت ؟ وهل تغيرت؟ قد يبدو هذا السؤال صرخة قوية تصم آذان البعض فلا يود سماعه, وقد يبدو للبعض سؤالا عجيبا لا يعي كنهه, والبعض لا يريد من الأساس أن يفهمه فيتستر تحت شكل ما من أشكال البلاهة أو الغباء!! ولكن بلا أدنى شك هناك من يعاني من هذا السؤال يوميا وهناك من أرقه ولا يزال.. ومن سيفتح في قلبه ألما بحجم المأساة!! وهناك من لا يلقي له بالا! ولكن رب سائل يسأل.. ولم هذا السؤال؟ وأقول: لاننا مطالبون بأن نتوقف بين الفترة والأخرى, كي نلتقط أنفاسنا ونحن نلهث في هذه الدنيا خلف كل شيء.. إلا أنفسنا! لنعتبر هذا السؤال بداية الالتفات للوراء, لأنفسنا, بداية العودة لإنسانية الإنسان حين ينتبه إلى انه قضى سني العمر وهو يصادر إنسانيته دون أن يشعر, ويرتكب جريمة اغتيال بساطته وأحلامه وهو يعتقد انه يبني المستقبل, ويراكم الأحلام, فإذا به يتحول إلى فارس وهمي ضد نفسه, ومغوار محقون بقيم قمع لذاته! كيف كنا بالأمس؟ وكيف صرنا اليوم؟ ما الذي تغير في داخلنا؟ وما الذي فقدناه؟ وقبل أن تجيبوا دعوني أنبهكم إلى ان المسألة معقدة أكثر مما تعتقدون, لقد قلت لكم منذ البداية انكم قضيتم سنين تغتالون بساطتكم, وتئدون إنسانيتكم فلم تعودوا كما كنتم.. أصبحتم أناسا آخرين, وللأسف باختياركم. شكت لي صديقة منذ فترة بأنها تشعر بالغربة نتيجة ممارستها أفعالا تساير بها الناس والمجتمع, واستوقفتني في حديثها عبارة (صرت أشعر بأنني لست أنا) وتساءلت: ما الذي جعلها تشعر بذلك؟ وعما إذا كان هناك آخرون يعانون نفس الشعور؟ وعن الأعراض التي تظهر على الإنسان فلا يعود يشعر بإنسانيته السابقة؟ كيف تعرف بأنك ما عدت الذي كنت؟ قف لحظة صدق مع نفسك, وحدق في البعيد الذي مضى, واجمع أشتات فكرك, والتفاصيل التي مرت بك خلال السنين التي مضت, منذ كذا من السنين كنت إنسانا مملوءا بالعافية, مغتسلا بالمحبة والصدق, ابتسم للعالم واحتضن الأماني, ارنو للمستقبل, انهض باكرا فأحس بعذوبة الصباح, أغادر منزلي لا أخشى مصادرة حريتي ولا كرامتي, أحب من حولي وأعرف قيمة الحب وأقدره وأعيشه باجادة تامة مع نفسي ومع غيري. أمارس عملي بحب وبقيم جميلة تربيت عليها, أسمع النكتة فتعجبني فأضحك, وأشعر بحزن ورغبة في البكاء فأبكى, أقرأ لان القراءة فعل من أفعال التغيير وليست هواية لتضييع الوقت, وأعمل باتقان لان اتقان العمل صناعة حضارة, أتعامل مع رئيسي في العمل فأراه شخصا مملا سيئ الطبع فلا يجبرني شيء في الدنيا على التزلف له, أرنو للتفاصيل, لم تتسطح القيم في داخلي, لا أنزلق على الأحداث بل أنفعل بها ومعها, ومرت السنون سمعت الكثير, ورأيت الكثير, وفقدت الكثير, واعتدت حالة الفقدان هذه حتى فقدت نفسي, وصرت نسخة من ملايين النسخ التي تعج بها الشوارع والمكاتب, نسخة مكررة بلا ملامح, تماما كمسافر عاد من رحلته الطويلة, بلا حقيبة سفر ولا أمتعة, ولا حتى جواز سفر وأوراق ثبوتية! ولكنكم إذا كنتم مازلتم تحتفظون بأوراق هويتكم, ولم تفقدوا إنسانيتكم, ولم تتنازلوا عن قناعاتكم وتلقائيتكم, ولم يستطع أحد اقناعكم بأن هذا ليس زمن المثالية والأحلام, فإنني أشد على أيديكم وأقول لكم تشبثوا بقناعاتكم, ومارسوا أنفسكم كما أنتم.. لا تستعيروا عقول الآخرين وتفكروا بها, ولا يغشاكم طوفان القيم الفاسدة.. عودوا للوراء قليلا, إلى التفاصيل الشاعرية, إلى الحياة الحقيقية, قبل أن تكتشفوا وبعد فوات الأوان ان كفاحكم, ولهاثكم كان بلا هدف, وان الإنسان الذي تكافحون لأجله قد هزم في داخلكم وتشوه وفقد إنسانيته.. ان المستقبل الأفضل للإنسان الأفضل والأجمل. * آخر المداد: لا تغتالوا بساطتكم.. لا تموتوا فتحرقوا قلب الوطن عليكم, انه بكم ما دمتم أصحاء معافين, وأنتم كذلك ما دمتم صادقين, ان من يخف يكذب, ومن يكذب ينحرف حتما, وإذا كثر المنحرفون ضاع الوطن.