الأزمة التي عصفت بالكويت في التعاطي مع الشأن الديمقراطي هي نفس المشكلة التي تمر بها جميع المجتمعات التي تمر بالمراحل الاصلاحية والديمقراطية . فالديمقراطية لا تسير وفق تصورات نظرية أو تصورات معارض أو مسؤول في مواقع الحكم, يساري أم يمين, متدين أم علماني, فمن الصعب التحكم بتوجهات وموجات الديمقراطية وذلك نظرا لطبيعتها الحرة ونظرا لارتباطها بعوامل انتخابية وسياسية تعكس التوازن والخلاف والتنافس والتجاذب بين مراكز قوى وتوجهات مختلفة في المجتمع الأوسع. ان الديمقراطية عملية تستمر اساسا في ظل تعدد مراكز القرار والتأثير (حكومة وبرلمان وصحافة وقضاء مستقل وشخصيات مستقلة), ولا يشترط ان تكون الجبهات موحدة, فلا البرلمان قوة موحدة ولا الصحافة قوة موحدة, وكل حكومة تعكس توازنات وتوجهات, وهكذا. اذن في ظل الديمقراطية, خاصة ان وقع الاختلاف على صغائر وكبائر الأمور وعلى أسلوب العمل من الطبيعي ان تقع الأزمات الدستورية ومن الطبيعي ان تتحول أبسط المشكلات الى أكثرها تعقيدا. وبطبيعة الحال فان كل سلطة تنفيذية تسعى لحماية دورها وحقها في ممارسة أعمالها, لهذا فأي تدخل جاد في عملها سوف تعتبره انتقاص وتأخير وسوف يؤدي الى مأزق دستوري, ولكن بنفس الوقت. ففي ظل العملية الديمقراطية يتحول النائب المنتخب الى مصدر قوة, ويتحول مجلس الأمة الى سلطة ذات فعالية, وان تم انتقاص قوة هذه السلطة فمن الطبيعي ان تسعى لتأكيدها وتسعى لتثبيتها باثارة القضايا ومحاولة اثبات النفس, هذه طبيعة الصراعات في ظل الديمقراطية. الأهم في ظل هذه الخلافات ان تتحول المرجعية الدستورية الى الحكم بين المختلفين وبين التوجهات وبين الاجتهادات, وهذا يعني التعامل مع الخلاف في ظل اللعبة السياسية وأصولها, لهذا فان قال قائل ان الحل كان مطلباً حكوميا وذلك لتوجيه ضربة لمجلس الأمة ولتوجهاته, يصبح السؤال من مراجعة سريعة لأسماء الذين وقعوا على طلب الاستجواب كيف تورط النواب في لعبة ليست لعبتهم؟ وهذا يعني انه على النواب في مراحل أخرى ابداء مزيد من الحذر وعدم الانجرار الى معارك جانبية, وان كانت الحكومة قد استعجلت الحل أو أخطأت التوقيت فهذا ما سيتضح من خلال نتائج الانتخابات. وبينما تتميز التجربة الكويتية بتوفر حريات واسعة صحفية وشخصية يكفلها القانون الا ان البرلمان بلا أحزاب رسمية وان كان مليئاً بطيف من التيارات السياسية الاسلامية والليبرالية والعائلية والقبلية, وهو بنفس الوقت برلمان مشتت في اتجاهاته بحيث لا يوجد فيه مركز ثقل محدد, وبنفس الوقت هناك سلطة تنفيذية نبعت من مشاورات. في هذا الوضع تناقض متأصل في التجربة, لهذا لا يوجد على الاطلاق ضمان بألا تتكرر هذه التصادمات, فلا البرلمان يشكل الحكومة (وهذا أمر يصعب تحقيقه اذ ما زال أمام التجربة الكويتية الكثير للوصول الى مرحلة النضج والتشكيل الحكومي) ولا الحكومة قادرة على ان تتبع من توجهات البرلمان الصافية وذلك لعدم ارتقاء التجربة الحزبية والسياسية الى هذا الوضع, ان هذا الوضع يقوم على توازن حساس بين الحكومة والبرلمان وهو وضع يتطلب الكثير من المقدرة على التحرك حكوميا وبنفس الوقت يتطلب الكثير من الوعي بخصوصية التجربة برلمانيا. ووسط التكتلات والصراع السياسي, سوف تشهد الكويت حملة انتخابية تعكس ما يريده الناخب وتعكس طبيعة الخلافات على مستقبل وحاضر الكويت. ان الانتخابات المقبلة على قدر كبير من الأهمية, وقد تعكس نتائجها مرحلة تاريخية جديدة في الكويت من حيث فتح المجال لتشكيل حكومة قادرة على التعامل مع التحديات في ظل خلق التوازن المطلوب مع المجلس, الانتخابات المقبلة اذن قد تدخل الكويت في دائرة الفعل السياسي, ولكنها بنفس الوقت قد تكون مقدمة للعودة الى وضع سياسي كالذي كان قائما قبل الحل, فان وقع هذا الاحتمال ستكون النتيجة سلبية وسيتعمق الخلاف السياسي. ان تفادي الدخول في أزمة عميقة مقبلة يتوقف على طبيعة تصويت المواطن وعلى طبيعة النواب الذين سيصوت اليهم الناخب, والاهم انه امر مرتبط ايضا بطبيعة التشكيل الحكومي الذي يلي الانتخابات ومدى مرونته وقدرته على التصدي للتحديات الاقتصادية والسياسية والادارية والتنظيمية والأمنية التي تواجه البلاد, اذن في الانتخابات المقبلة تبدأ مرحلة هامة وسيترتب عليها اما تغيرات جوهرية في الحياة السياسية واما سيترتب عليها مزيد من الأزمات السياسية. وقد يقول البعض نحن بغنى عن هذه التجربة, وبغنى عن الفوضى التي تنتج عنها, وقد يكون هذا رأي طبيعي في ظل تعقيدات الحياة السياسية البرلمانية, ولكن في حقيقة الأمر, تمر كل الدول في هذه المراحل, وسوف تمر جميع المجتمعات التي تتعطش للارتقاء في التحولات الديمقراطية, بل ان الدول والمجتمعات التي تمر في هذه العملية قبل غيرها ستجد انها استقرت في المستقبل وانها قطعت الشوط الصعب, اما المجتمعات التي لم تبدأ في هذا الطريق فسيكون امامها طريق شائك, الطريق الكويتي هو اذن طريق سيمر به كل من يراقبه الآن أو ينظر اليه بكثير من النقدية, بل لن تكون تجارب الآخرين اقل سخونة بل ربما يمكن القول بأنه كلما تأخرت هذه التحولات في العديد من المجتمعات العربية كلما صاحب عملية الانتقال الى الانفتاح الديمقراطي الكثير من التوتر والتجاذب والمخاطر. - أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت