منذ عقود متواصلة وسوسة الخلافات التي بثتها التقسيمات الاستعمارية الملغومة, تنخر جسم العلاقات العربية , من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق . بل ان بعض هذه الخلافات تجاوز كل الخطوط الحمراء, وبلغ حد الاقتتال بين الأشقاء وصولا إلى هاوية, المأساوية باجتياح الأرض والسكان, كما حصل في كارثة الثاني من أغسطس 1990, والتي مازال العرب, كل العرب أطفالا وشبانا وشيبا يدفعون أثمانها المدمرة حتى اليوم. غير ان بعض ذوي العقول النادرة تمسكوا بنهج الحكمة والتعقل في مواجهة موج الخلافات المتلاطم, وأثبتوا بالوقائع الملموسة ويوما بعد يوم صدق توجههم وبعد نظرهم. والدرس ـ النموذج الماثل للعيان الآن, هو اتفاقية الحدود بين الامارات وعمان التي وقعها يوم (1/5/99) صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وأخوه السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان. الاتفاقية جاءت تتويجا لعلاقات الأخوة والتعاون بين البلدين الشقيقين, وبما يحقق مصالحهما المشتركة ويعود بالفائدة المزدوجة, لكل بلد على حدة من خلال ما حققه من مكاسب وطنية, وللبلدين معا على طريق المزيد من توثيق عرى التعاون وتوسيع افاقه في مختلف المجالات, مما يجعل الاتفاقية ذات دلالة معبرة ترتبط في الذهن بالمثل الذي ضربه الحق سبحانه (كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أُكُلها ضعفين). ورغم الأهمية البالغة للاتفاقية على المستوى الثنائي, إلا ان آثارها الايجابية تتجاوز ذلك بكثير, لتشمل الدول الخليجية العربية وكل الوطن العربي الذي مازالت خلافات الحدود (وغيرها) تعصف بالكثير من أقطاره وتقف عقبة في وجه نموها وتطورها. ولكن, لماذا تمت الاتفاقية بهذه السلاسة وبالتراضي وروح الاخوة بين البلدين, فيما فشلت دول اخرى كثيرة, عربية وغير عربية, في التوصل الى اتفاقات مشابهة؟! هنا يبرز (نهج الحكمة) الذي تميزت به السياسة العامة لدولة الامارات, داخليا وخارجيا, والذي جعل العرب, وغير العرب كذلك, يعترفون لصاحب السمو الشيخ زايد بأنه (حكيم العرب) , بينما وضع الامارات في موقف استثنائي فريد بأنها الدولة العربية الوحيدة التي لم تدخل في صراع مع أية دولة عربية اخرى منذ قيامها. بل ان هذا النهج ميز سياسة الامارات على الدوام, ليس مع الدول العربية الشقيقة فحسب, وانما مع دول الجوار غير العربية وكل الدول الاخرى في العالم, رغم العراقيل المتعمدة والاستفزازات الكثيرة من هذا الطرف أو ذاك. وهذا النهج المتأصل هو الذي جعل الامارات تنظر بشمولية وتجرد الى المصلحة العربية العليا, وتكون السباقة بدعوات المصالحة والتضامن, والمبادرة باستمرار الى دعم ومساندة كل الاشقاء والاصدقاء, دون رغبة في الهيمنة أو سعي للاحتواء! وتزامن التوقيع على الاتفاقية مع الاجتماع الأول للجنة العليا المشتركة للتعاون بين الامارات وقطر, دليل آخر على أصالة هذا النهج كمحدد استراتيجي وأساس عملي لسياسة الامارات ورؤيتها الشاملة. واذا كان هذا نهج الامارات بقيادة زايد, فإن عُمان تشاركها النهج بالتأني والتوازن في علاقاتها العربية, مما مكنها من تحقيق اتفاقين حدوديين سابقين مع كل من شقيقتيها المملكة العربية السعودية واليمن. وبتلاقي نهج الحكمة وأسلوب التأني والتوازن, حققت الامارات وعمان هذه النقلة النوعية في علاقات التعاون بينهما, وقدمتا نموذجا عمليا لما يجب ان يحكم العلاقات بين الاشقاء, ويحدد مسار العلاقات الدولية بشكل عام. انه نهج الحكمة يؤتي اكله, عسى ان يكون ذلك فاتحة عهد جديد في العلاقات العربية, يمهد الطريق ويزيل العقبات أمام انطلاقة اكثر عقلانية, وأكثر وعيا لمقتضيات عصر العولمة ومتطلباته الباهظة.