النماذج العلمية ليست إلا تعبيرا عن أفكار كلية تصور الواقع وتفسره وتتنبأ به وهدفها النهائي هو التحكم فيما يحدث مستقبلا وعندما طرح هنتنجتون نموذجه الجديد كان تعبيرا عن قدرة استاذ العلوم السياسية بجامعة هارفار د على رؤية تطور مجرى الصراع العالمي ونجح المؤلف في اثارة العالم وشغله بما كتب وتفاوتت ردود الأفعال إلا انها وإلى حد كبير لم تنجح في تقديم نموذج أكثر قدرة على تصوير الصراع العالمي فحينما وضع نموذج صدام الحضارات كان هنتنجتون متأثرا بتفكك الاتحاد السوفييتي والاتحاد اليوغسلافي نتيجة لصراعات عرقية وثقافية وكذلك المد الإسلامي في العالم وصعود الحركات الاسلامية في عدد من المجتمعات الاسلامية ومقاومة الدول الاسلامية لما يحدث للعراق وليبيا والسودان وغيرها من الاحداث الدولية التي أعطت النموذج مصداقيته. إلا ان البعض الآخر ينكر امكانية استخدام الفكرة الحضارية كأساس لتفسير الصراعات على مر العصور إذ يقول جين كيركباتريك الاستاذ في جامعة جورج تاون ليس من الواضح ان الخلافات بين الحضارتين أدت على مر القرون إلى اطول المنازعات وأكثرها عنفا ففي القرن العشرين على الأقل وقعت أشد المنازعات عنفا داخل الحضارات: حملات التطهير التي قام بها ستالين والهولوكوست النازي والحرب العالمية الثانية ولم يكن تحرير الكويت صداما بين الحضارات إلا انه بعد ما حشدت الولايات المتحدة تحالفا دوليا ضد العراق اعتمد صدام حسين اثارة فكرة الصراع بين الغرب والاسلام. الأمر الذي لا شك فيه ان أي نموذج يصعب عليه تفسير كل شيء في آن واحد ومن السهل البحث عن استثناءات لا تتفق معه بل تقوضه, فتحويل العالم إلى قرية صغيرة بفضل ثورة الاتصالات هي مدعاة لصراع الحضارات من وجهة نظر النموذج فقرب الاتصال بين المجتمعات وبعضها يثير ال خلافات العرقية والثقافية والدينية لدرجة تدفع بهذه المجتمعات إلى الصراع أكثر منها إلى التفاعل والتعايش, إلا ان هذا التصور لا يصمد أمام تفسيرات أخرى تبناها الغرب ولعقود طويلة أساسها ان الاتصال بين الثقافات والتدفق الدولي للمعلومات بين الحضارات المختلفة يدفع إلى تحقيق التفاهم الدولي والتعايش الانساني فالناس أقرب إلى التعاون في حالة التعارف وهم أقرب إلى الصراع عندما يجهل بعضهم البعض الآخر. الغريب ان يشهد العالم في نهاية القرن العشرين ثورة في مبررات وأسس الصراع الدولي الذي بدأ يأخذ شكلا حضاريا وثقافيا أكثر منه سياسيا وعسكريا, ومبعث الغرابة هو ان تأتي فكرة استخدام الحضارة كأساس لتفسير ما هو حادث من صراعات عالمية وما هو متوقع منها من الغرب المادي فالواقع ان الحضارات أساسها الأديان والثقافات والتمايزات العرقية والفكرية التي تجمع شعوبا معينة, وقد تتعدد الحضارات داخل الدولة الواحدة وقد تتعدد الدول التي تجمعها حضارة وثقافة واحدة, الشيء الذي يصعب انكاره ان الكثير من الصراعات الدولية الحالية قابلة لأن تدخل في اطار نموذج صدام الحضارات. وفي كل الأحوال فإن العرب يمثلون جماعة انسانية حضارية متمايزة عن غيرها من التجمعات الحضارية الأخرى, وأساس حضارة العرب هو الاسلام واللغة العربية والثقافة المشتركة والأصل الواحد فالعقيدة والدم واللغة أساس تجانس الحضارة العربية. والواقع ان الحضارات ذاتها لا تتصارع أوتتصالح ولكن أبناء الحضارات هم الذين يقومون بذلك, فالنزعة العسكرية للدول وأهواء القلة المتحكمة في قرارات الحرب هي التي تدفع بالحضارات إلى النزاع ويبدو ان دافع المصالح الاقتصادية والسياسية هو الأكثر قدرة على تفسير صراعات الماضي والحاضر ولا يعني ذلك تهميش دور الأديان والحضارات إلا انه من الصعب قبول استخدام الثقافات والحضارات والأديان كدافع للصراعات التي حلت بعالمنا, فالغرب نفسه أبعد ما يكون عن الالتزام بتراثه الديني المسيحي وليس هناك من واقع الممارسات اليومية للمواطن الغربي العادي ما يشير إلى حس ديني في ظل مادية الحياة وانعزال الدين عن الدولة والممارسات اليومية. صورة العرب والحوار الحضاري: الحديث عن حوار الحضارات يستدعي في الاذهان صورة كل حضارة لدى الحضارات الأخرى والبشر في الواقع لا يتعاملون في ضوء خبرات مباشرة مع الآخرين بقدر ما يتأثرون بصور وانماط وقوالب جامدة في أذهانهم عن الحضارات الأخرى, فصورة الحضارة العربية لا تنفصل عن صورة العربي وصورة الاسلام في أذهان الغرب أيضا هي انعكاس لصورته عن المسلمين, وكل هذه الصور نتيجة لمعلومات وأفكار حصل عليها الغرب من خلال وسائل الاعلام وقد وصل حد التصوير السلبي للعرب في الاعلام الغربي درجة فاقت تشويه صورة أية جماعة انسانية أخرى وقد دفع ذلك بأحد كبار الكتاب في الصحافة الامريكية للقول بأنه لم يتم الحط من منزلة فئة دينية أوثقافية أو قومية بشكل منهجي وشامل مثلما حدث بالنسبة للعرب فقد نجح الاعلام الغربي عموما في تشكيل صورة للعربي المسلم في مجملها لا تعبر بموضوعية عن هذا الواقع ولكنها تفسر لنا حجم ما يكنه الاعلام الغربي من قصد لتشويه وتزييف هذا الواقع فالعربي يوصف بالبساطة إلى حد السذاجة وعدم القدرة على التمييز واتخاذ القرار وسرعة الغضب والدخول في خلافات طويلة لأسباب تافهة. والعربي كما يصوره الاعلام الغربي هو انسان مستهلك ومسرف وقليل الحكمة واتكالي ويعتمد على الآخرين في الانتاج ولا يفكر إلا في قوت يومه والعربي أيضا ارهابي ومتعصب وضيق الأفق ومتجهم ويعادي العلم والتحضر ويسيء إلى المرأة وحقوقها,ولعل الاساءة إلى الاسلام ورسوله الكريم تمثل أيضا احدى ركائز الاساءة للحضارة الاسلامية والمدخل إلى الاساءة للعرب وكأنهم يقولون للعرب ان هذا هو سبب التخلف. ولعل من الموضوعية القول بأنه إذا كانت هذه الصورة تميل إلى المبالغة والتشويه المتعمد والاختزال المخل إلا انها تمثل تحديا أمام العرب لاعادة النظر في أحوالهم والاستفادة من هجوم الآخرين لتنقية الذات وتصحيح الأخطاء. ان نظرة متأنية لأسلوب حوار المثقفين في احدى البرامج الناجحة بقناة الجزيرة القطرية (الاتجاه المعاكس) تقدم صورة صادقة عن ضيق افق المتحاورين وتعصب كل محاور لرأيه ونظرته للآخر باعتباره المخطئ ولا يجب التسامح معه أو حتى على الاقل احترام رأيه المختلف وتقديره والعيب ليس في البرنامج كآلية للحوار بقدر ما هو في المتحاورين الذين لم يألفوا ثقافة التسامح والاختلاف والتوسط والاعتدال والتعامل مع وجهة النظر الشخصية باعتبارها صحيحة قابلة لأن تكون خطأ ووجهة نظر الآخر باعتبارها خاطئة قابلة لأن تكون صحيحة. وإذا كان العرب المنتمون لحضارة واحدة في أعلى مستوياتهم الثقافية غير قادرين على اجراء حوار ثقافي بناء ينتهي منه المتحاورون إلى وجود أرضية مشتركة تزيد من حجم التفاهم وتقلل من حجم الخلاف فكيف لنا ان نتوقع نجاحهم في اجراء حوار حضاري ناجح مع غيرهم ممن يختلفون عنهم في الثقافة والدين والأصل وكل شيء. وأيا كان الخلاف مع نموذج صدام الحضارات فانه يعبر عن أسلوب لفهم وادارة الازمات الدولية في ضوء التباينات الثقافية والدينية إلا انه لا يصمد طويلا أمام حقائق كثيرة تعارضه وتقف على النقيض منه وإذا كان من درس يمكن للعرب ان يتعلموه من هذا النموذج العالمي فهو ان صورتهم في الخارج لا تنعزل عن موقف الآخرين منهم وان هذه الصورة مشوهة وتحتاج إلى تغيير جذري يبدأ بعلاج العلل التي يعاني منها الانسان العربي وأهمها تسامحه في حواره مع أخيه العربي وادراكه لكون الحقيقة ليست حكرا لتيار سياسي أو فكري دون الآخر وان اجراء حوار عربي عربي سوف يرفع من أسهم العرب في ادارة الازمات الدولية التي تستند إلى صراعات حضارية. قسم الاتصال الجماهيري ـ جامعة الامارات العربية المتحدة