بعض الاحداث السياسية القريبة الحدوث زمنيا تتحول في وقت قصير الى نوع من الحكايات البعيدة في الماضي , والتي لايمكن للانسان ان يتذكرها باعتبارها حدثا قريب الوقوع ما لم يكن واعيا بمدى اهمية ان تظل الذاكرة واعية بما يجري حولها, لان هذا الوعي اصبح في زمن التحولات الاعلامية الالكترونية قرينا للنسيان اكثر منه قرينا للتذكر, اي تحولت ادوات التذكر الالكتروني نوعا من (الارشيف) الذي يعفي الذاكرة من العمل فتنسى بأسرع مما كانت تنسى في الماضي, فاصبحت الاحداث القريبة التي وقعت قبل عقد زمني واحد تبدو مغرقة في الماضي كما لو كانت حدثت قبل قرون طويلة من الزمان. من تلك الاحداث نهاية الحرب الاهلية الدموية في نيكاراجوا التي انهكت الثورة الساندينية امام عصابات (الكونترا) الفاشية التي كانت تمولها وتدربها المخابرات المركزية الامريكية, بل وكانت تدعمها الولايات المتحدة بشكل مباشر اعلاميا من خلال تشويه صورة رجال الثورة اليسارية من جانب, ومن جانب آخر كانت تؤكد انها على استعداد ان تعيد النظر في تقديم الدعم المادي الذي تستخدمه (الكونترا) في تمويل صفقات الاسلحة التي تستخدمها في سفك مزيد من دماء الفلاحين النيكاراجويين الفقراء, لتتحول تلك الاموال الى دعم مادي من اجل النهوض بالبلاد, وبناء ما دمرته الحرب. في ظل هذه الدعاية رفع الساندينيون ايديهم بالرايات البيضاء, والقوا بأسلحتهم وقرروا تسليم السلطة لمن يخرج فائزا في انتخابات (ديمقراطية) على الطريقة الغربية المفروضة امريكيا, كان هذا القرار من جانب رجال الثورة الساندينية له مبررات عديدة, منها ما هو خارجي مثل انتهاء الاتحاد السوفييتي السابق الى انقاض يجلس على اطلالها رجال لايعرفون ما الذي حدث بالضبط لتلك القوة العظمى, التي تحولت مابين يوم وليلة الى حطام, ومنها ما هو داخلي, حيث صدق النيكاراجويون ان (لبن وعسل ودقيق) الولايات المتحدة قادم ليضمد الجراح المفتوحة, لم يكن ذلك حلما بالنسبة للشعب النيكاراجوي بل كان واقعا, لانه في رأيهم ما الذي سيضير الولايات المتحدة اذا حولت (سلاح الكونترا) الى (لبن وعسل ودقيق) . جرت اول انتخابات في البلاد عام 1990, كان الفائز فيها من استطاع ان يستخدم الدعاية الكاذبة حول (لبن وعسل ودقيق) الولايات المتحدة, واحتلت (فيوليتا تشامورو) مقعد الرئاسة عبر تكتل (التحالف الليبرالي) المدعوم ماديا واعلاميا من الولايات المتحدة, وقضت سبع سنوات بدت كسبعة قرون من الزمان, كان خلالها الشعب النيكاراجوي ينام ويصحو على حلم (اللبن والعسل والدقيق) الامريكي الذي لايصل ابدا. انتهت فترة رئاسة (فيوليتا تشامورو) والفقراء يعيشون الحلم ويأكلون جذور ما تبقى من حرب اهلية طويلة دمرت الاخضر واليابس, وعندما حانت فترة الرئاسة التالية فاز (التحالف الليبرالي) ايضا, وان كان الدعم الشعبي له اقل من السابق بعد ان (تهافت) الحلم الامريكي, ولم يعد موجودا منه سوى السراب, وتولى رجل التحالف السمين (ارنولدو اليمان) رئاسة بلاد تعيش على الكفاف, ولا تزال جراح حربها الاهلية مفتوحة بسبب اصرار رجال عصابات الولايات المتحدة (الكونترا) على الاستحواذ على كل شيء, وكأنهم ينتقمون من الفقراء والفلاحين, الذين دعموهم في صناديق الاقتراع. ثم حط على البلاد انتقام الطبيعة التي قررت في ساعات قليلة ان تنهي ما تبقى منها مابين الحرب الاهلية والنهب الاقطاعي, الذي عاد مع عودة حكم اليمين, فتحولت نيكاراجوا بعد مرور (عاصفة ميتش) الى كومة من الاوحال الغارقة في بحر من الدم والدموع. خلال عقد واحد من الحكم (الديمقراطي الليبرالي) المدعوم امريكيا تحولت نيكاراجوا الى واحدة من افقر دول العالم, واكثرها فسادا في الادارة, حيث تؤكد الاحصائيات ان اكثر من 70 في المائة يعيشون على الكفاف, وتحت حد الفقر المعترف به دوليا, وتبلغ نسبة البطالة رسميا في البلاد 53 في المائة من مجموع الايدي القادرة على العمل, وتحولت العاصمة (ماناجوا) الى معقل للمافيا وعصابات التجارة في كل شيء حتى في الاطفال. اما من ناحية الفساد الاداري, فإن نيكاراجوا تم استنزاف مواردها خلال السنوات العشرة الماضية بشكل علني, حتى رئيس الدولة الحالي (ارنولدو اليمان) تضخمت ثروته خلال السنوات الثلاث الاخيرة بنسبة 900% واصبح واضحا للجميع انه يدير البلاد كمزرعة خاصة تحت حماية تلك المافيات التي بدورها تمتلك تصريحا خاصا بالفساد من اكبر قوة عسكرية في العالم. كان مشهد ارنولدو اليمان مؤلما وهو يجري هربا من صرخات فقراء بلاده الخارجين من تحت الوحل في اعصار ميتش, كان يحاول ان يظهر في مشاهد تلفزيونية دعائية يمكن بثها في الولايات المتحدة لان نيكاراجوا لم يكن فيها في ذلك الوقت تلفزيون واحد يمكن بث تلك المشاهد عبره, في الوقت الذي كان فيه رجاله يسرقون المعونات الدولية ويبيعونها في السوق السوداء للقادرين على الدفع, يضاف الى كل هذا تضخم الديون الخارجية التي فاقت حسب المصادر الدولية 6 بلايين دولار. كل هذه الاوضاع ازدادت سوءا الاسبوع الماضي خلال الاضراب الذي شهدته المدن الرئيسية الذي شل وسائل النقل الرئيسية بعد ان قررت حكومة التحالف اليمنية رفع اسعار الوقود, وصل الشلل الى حد لم يعد يصلحه سوى تراجع الحكومة عن قراراتها واعادة الاوضاع الى ما هي عليه حتى لاينتهي ماتبقى من (فتات الاقتصاد) خلال تلك الازمة لم تكن هناك حكومة حقيقية في نيكاراجوا وانما كان فراغا دستوريا, ولم يتذكر احد وعود الولايات المتحدة التي كانت مركز دعاية التحالف الليبرالي, الذي صور المستقبل الى جوار اسوار البيت الابيض, وكأنه بداية الحياة في الجنة الموعودة. لم يعد امام التحالف الليبرالي سوى ان يبحث عن (حلم) جديد يبيعه للناس حتى تأمن الا تعود اشباح الحرب الاهلية من جديد, بدأ يخلط الواقع بالوهم, وبدأ بالفعل في بيع (الحلم الاوروبي) الجديد كبديل عن الحلم الامريكي وحدد موعدا لبداية الحلم الجديد في السادس والعشرين من مايو الجاري, حيث من المقرر ان تعقد المفوضية الاوروبية في ستوكهولم اجتماعا مشتركا مع مجموعة من دول امريكا اللاتينية التي عانت من دمار اعصار ميتش, وذلك لبحث سبل دعمها وتعويض بعض مافقدته في مواجهة الطبيعة. يمكن خلال هذا الاجتماع تحقيق جزء من الحلم الاوروبي من خلال تخفيف ديون نيكاراجوا الخارجية بنسبة 80% لكن من الصعب ان يحل الحلم الاوروبي محل اللبن والعسل والدقيق الامريكي المسكوب, الذي تعتمد حكومة التحالف الليبرالي في نسيانه على الوسائل الالكترونية التي حلت محل الذاكرة لكن يبقى سؤال مهم هل توجد ذاكرة الكترونية في نيكاراجوا الفقيرة يمكنها ارشفة الحلم القديم ليحل محله الحلم الجديد كذاكرة جديدة تنقذ الحكومة الفاسدة من ثورة جديدة تحت اي اسم جديد غير الساندينية؟ كاتب مصري مقيم في اسبانيا