آفاق التنمية رحبة وأبوابها غير موصدة دون احد طالما كان قادرا وراغبا في طرق أبوابها, وكلمة السر لولوج تلك الآفاق اليوم هي القدرة على تنمية الموارد البشرية وتعبئتها واطلاق طاقاتها الخلاقة, وذلك من أجل تنمية الميزات التنافسية للمجتمع المعني في جميع مجالات الانتاج والابداع وتوسيع خياراته , في عصر أصبحت فيه الميزات التنافسية هي وحدها القادرة على الصمود أمام تحديات التقدم العلمي والتكنولوجي المتسارع في عصر العولمة وما تفرضه من انفتاح, بل انكشاف, على الخارج لا تستطيع الدول عامة تجنب تبعاته, وليست دول الخليج العربي في وضع افضل من غيرها. واذا كانت آفاق التنمية غير موصدة أمام دول الخليج العربي, فإن ولوجها يتطلب توفير شروط أولية. وتتمثل هذه الشروط في المقام الأول في ارادة التنمية, ويلازمها في المقام الآخر ادارة التنمية. ان بلورة ارادة التنمية الشاملة المستدامة تمثل بحق قضية مجتمعية كبرى تتطلب التوافق حولها باعتبارها رؤية وطنية مستقبلية لتأمين الحاضر وكسب المستقبل, ولابد من ان تتبناها أغلبية أفراد المجتمع وفئاته, ويتم الالتزام بمتطلبات وضعها موقع التطبيق من قبل الدولة والقائمين عليها, حيث ان هناك اختيارات صعبة وتضحيات تطال جميع الفئات بما فيها النخب الحاكمة وأصحاب النفوذ, كما ان هناك منافع وفرصا يجب ان يعم خيرها الجميع. ولعل التعبير الحقيقي عن نمو الحد الادنى من ارادة التنمية الفاعلة يتمثل في تحول قطاعات الادارة في المجتمع الى ادارة تنمية, فادارة التنمية ليست مجرد وحدة ادارية منعزلة, وإنما هي اسلوب وتوجه وانضباط جميع قطاعات الادارة في المجتمع بالرؤية المستقبلية والتي يتم التعبير عنها بصياغة استراتيجية التنمية ووضعها موضع التنفيذ. وأداء ادارة التنمية هو المحصلة النهائية لأداء قطاعات الادارة, ويعبر عن مدى الترابط العضوي والتوجه التنموي لكافة قطاعات الادارة وكفاءة أدائها. فادارة التنمية تتضمن بالضرورة الادارة السياسية الى جانب الادارة العامة وادارة المشروعات في كل من القطاع الخاص والعام والتعاوني ومؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها مؤسسات العمل السياسي. ومن هنا يمكننا التأكيد انه بالرغم من كون ارادة التنمية قضية مجتمعية وادارة التنمية مسألة فنية, فإنهما مترابطان ترابطا عضويا, ولذلك فإن التعبير الحقيقي والصادق عن مدى وجود الحد الادنى من ارادة التنمية يتمثل في تحول قطاعات الادارة الى ادارة تنمية تترجم غايات التنمية الى سياسات واستراتيجيات وخطط وبرامج وأهداف استراتيجية مرحلية قابلة للتقييم وخاضعة للقياس على المستوى الكلي والجزئي. واذا لم يصاحب الادعاء بوجود ارادة تنمية اقامة ادارة تنمية قادرة على وضع استراتيجية وخلق آلية للتنمية تسمع ببدء عملية التنمية الاقتصادية ــ الاجتماعية الشاملة المستدامة, فإن لفظ التنمية يبقى شعارا أجوف سرعان ما ينكشف زعمه عندما يحين وقت التقييم ورصد المؤشرات. الامكانيات المتاحة بعد هذه المقدمة التي أكدت على أهمية ارادة التنمية وادارة التنمية باعتبارهما شرطان أوليان لولوج آفاق التنمية, لابد من التوقف أولا عند ذكر الامكانيات التنموية المتاحة لدول المنطقة ومن ثم أعود ثانيا الى التذكير مرة اخرى بأهمية وجود استراتيجية اقليمية للتنمية والتكامل, مشيرا الى بعض الجهود التي بذلت عام 1984 لوضع استراتيجية اقليمية للتنمية والتكامل. فالامكانيات لا يمكن حصرها ولا تجميدها عند لحظة معينة, فالاستفادة من الامكانيات تتوقف على نوعية الموارد البشرية والمستويات المعرفية وامتلاك الارادة الوطنية. كما تعتمد على اسلوب الادارة وكفاءتها في القطاع الخاص والعام, وفي الادارة العامة بشكل خاص باعتبارها المنظم والموجه والمراقب والضابط للنشاطات في المجتمع. ومن هنا يمكن القول ان آفاق التنمية ليست متوقفة على الامكانيات المادية وإنما تشكل الموارد المادية نقطة البدء التي توفر ميزات نسبية يحسن الاستفادة منها للانتقال الى الميزات التنافسية المعتمدة على كفاءة أداء الموارد البشرية والتنظيم السياسي والأداء الاداري للمجتمع. ويمكن في ضوء هذا التوضيح ان نذكر باختصار شديد الامكانيات التالية التي مازالت دول المنطقة تتمتع بها في الوقت الحاضر. أولا: ادراك متزايد لفشل سياسات حقبة الطفرة النفطية: إذ ان انتشار الوعي العام بخطأ السياسات التي تم تطبيقها خلال حقبة الطفرة النفطية, وفشل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي صاحبت عصر النفط في خلق قاعدة اقتصادية بديلة, يمثلان اليوم دافعا قويا لتغيير المسار الراهن. فبالرغم من التأثيرات الايجابية لتلك التغيرات على ارتفاع مستوى المعيشة وعلى التعليم والصحة وتوفير الخدمات الاجتماعية, عجزت تلك التغيرات عن بدء عملية تنمية شاملة مستدامة أو حتى نمو اقتصادي بالمعنى العلمي المتعارف عليه. لذلك فإن تزايد هذا الادراك بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية نتيجة تراجع أسعار النفط منذ منتصف الثمانينات وبروز ظاهرة تلاشي الريع النفطي وانكشاف هشاشة البناء الاقتصادي وانعكاس ذلك على مستوى الرفاه الاجتماعي, تمثل اليوم بحق امكانية موضوعية تساعد حكومات وشعوب المنطقة على اعادة التفكير, وتبني خيار التنمية الشاملة المستدامة بعد ان أدى نمط التغيرات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لعصر النفط الى ضياع فرص التنمية بشكل عام, وأصبح ينذر بمخاطر نمط من تنمية الضياع اذا لم يتوقف المسار الخطر الذي سلكته دول المنطقة والتحول الى منعطف آمن. ثانيا: الموارد البشرية: تتوفر لدول المنطقة موارد بشرية مواطنة متعلمة ومنفتحة على الخارج تعي أهمية تنمية القدرات التنافسية وتطمح الى القيام بدور ايجابي في عملية الانتاج والمشاركة في تسيير شؤونها العامة. ومعظم هذه الموارد البشرية معطلة طاقاتها في الوقت الحاضر في مستنقعات البطالة المقنعة, وهي تواجه بشكل متزايد بطالة سافرة, لاسيما بالنسبة لعمل المرأة نتيجة للعجز عن توظيف المواطنين كما كان في الماضي. وهذه الموارد البشرية المتعلمة يمكن ان تحفزها اليوم رغبة الاحتفاظ بمستوى معيشي معقول اعتادت عليه, الى التحول التدريجي من البطالة الظاهرة أو المقنعة الى سوق العمل المنتج من خلال خلق فرص عمل حقيقية مجزية وكريمة في نشاطات تعتمد على كثافة رأس المال والتكنولوجيا الملائمة. واضافة الى ارتفاع نسبة المتعلمين بين المواطنين فإن لدى المنطقة رصيدا لا يستهان به من الكوادر التي تكونت منذ عقدي الستينات والسبعينات, ومارست الادارة في صناعة النفط والادارة العامة والمشروعات العامة الصناعية والمالية والخدمية, اضافة الى كوادر القطاع الخاص ورجال الأعمال. وهذه الكوادر يمكن الاستفادة منها وتشجيع عودة من تسرب منها أو أحبط الى مراكز النشاطات الجديدة المطلوب القيام بها لتوسيع الطاقة الاستيعابية وبناء القاعدة الاقتصادية الاجتماعية البديلة للنفط. ولدى المنطقة ايضا مؤسسات حديثة في مجال التعليم والتدريب والتعليم العالي والبحث والاستشارات يمكن الاستفادة من امكانياتها واعادة توجيه نشاطاتها من خلال خطة وطنية لتنمية الموارد البشرية واعادة تأهيل ما أفسدته سياسة التوظيف الحكومي أو أدت الى جذبه النشاطات الطفيلية بعيدا عن النشاطات المنتجة. تعدد الموارد ثالثا: النفط الخام: حيث مازالت امكانية عظيمة متاحة للمنطقة التي تمتلك الدول الست الأعضاء في مجل التعاون منه 465 مليار برميل احتياطيا مؤكدا, وهذا يعادل 3.44% من الاحتياطي العالمي (BP 1998:4). واذا علمنا ان متوسط تكاليف انتاج معظم هذه الاحتياطيات لا يتعدى دولارين للبرميل, فإننا ندرك ان هناك ريعا اقتصاديا سوف يظل متاحا لحكومات المنطقة. هذا بالرغم من بروز ظاهرة تلاشي ريع النفط. ولعل أهمية النفط المستقبلية تتعدى ريعه الاقتصادي الى الامكانيات المتاحة للاشتغال في نشاطاته من خلال قيام شركات وطنية من القطاع الخاص والعام بعمليات تكريره وتسويقه في اقطار المنطقة وفي العالم كافة مستفيدين من انفتاح الاسواق وحرية التجارة. كما يمكن التوسع في انتاج آلات ومعدات ومواد الانتاج اللازمة لصناعات النفط محليا وفي الخارج من قبل شركات وطنية. ان دمج النفط الخام في الاقتصادات الوطنية واقامة الشركات الوطنية الكبيرة الدولية من قبل القطاع الخاص والعام والمشترك, سوف تتيح فرصا تنموية عظيمة لدول المنطقة, وسوف يفوق مردودها مردود الريع الاقتصادي, لاسيما اذا أخذنا في الاعتبار ظاهرة تلاشيه في المدى البعيد نتيجة التقدم التكنولوجي وانخفاض تكاليف انتاج النفط في مناطق الانتاج الحدية. رابعا: الغاز الطبيعي: إذ تمتلك المنطقة 11.22 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي, وهذا يمثل 3.15% من الاحتياطي العالمي المؤكد (BP 1998:20). والغاز الطبيعي نعمة كبرى, اذا تم توجيه استخداماته الى أفضل الفرص المتاحة, فالغاز الطبيعي عكس النفط, وجد ليبقى في المنطقة وليس للتصدير منها في صورته الخام. ويعود ذلك الى ارتفاع تكاليف متطلبات نقله التي تمتص حوالي 80% من سعر بيع الغاز الطبيعي المسال المصدر الى أوروبا أو اليابان على سبيل المثال, هذا بينما لا تتجاوز هذه التكلفة بالنسبة لنقل النفط الخام 4% من سعر بيعه في الوقت الحاضر. ولذلك فإن أهمية الغاز الطبيعي لتنمية الصناعات المحلية تتعدى الفوائد العائدة من امكانية تصدير الغاز الطبيعي المسال LNG أو تصديره بالانابيب الى الاسواق العالمية, فأهميته أعظم وأجدى وأدوم وقيمته المضافة أكبر اذا تم دمجه في الاقتصاد الوطني, واستخدم كمصدر طاقة رخيصة لانتاج الكهرباء للاستهلاك المحلي وللتصدير, واستخدم لتكرير المياه فضلا عن استخداماته كمصدر طاقة في الصناعات المعدنية وغيرها من الصناعات المستخدمة للطاقة بكثافة مثل صناعة الاسمنت. هذا بالاضافة الى أهمية استخدام الغاز الطبيعي كمواد خام للصناعات البتروكيماوية والتي أصبحت المنطقة بفضل وجود الغاز الطبيعي مركزا لا ينافس في انتاجها. ان الميزة النسبية التي يوفرها الغاز الطبيعي للصناعة هي مثال جيد على امكانية الانتقال من مرحلة الاستفادة من الميزات النسبية الى مرحلة بناء مقومات الميزات التنافسية, وذلك عندما تتمكن المنطقة من اقامة الاجيال اللاحقة من الصناعات البتروكيماوية وغيرها من الصناعات, بعد ان تكتسب خبرة اختيار التكنولوجيا الملائمة وتتمرس في مجال تشييد الصناعة وتشغيلها وتسويق منتجاتها في الاسواق العالمية. خامسا: المواارد المالية: فما زالت المنطقة تتمتع بامكانات مالية جيدة بالرغم من تراجع اسعار النفط فريع النفط سوف يستمر تدفقه على المنطقة, واذا افترضنا اسعارا للنفط الخام في حدود 12 دولارا للبرميل في العقدين المقبلين, فإن ريع النفط المقدر بحوالي 10 دولارات للبرميل والذي سيعود للحكومات سوف يصل الى حوالي 44 مليار دولار سنويا على اساس معدل انتاج 1997 (12 مليون برميل يوميا) (BP 1998:6). ولعل اعادة النظر في جدوى الكثير من نفقات التسليح البالغة 28 مليارا عام 1997, تحرر جزءا كبير من هذا الريع. واضافة الى هذا المورد فإن لدى القطاع الخاص ارصدة خارجية تقدر بحوالي 800 مليار دولار يمكن ان يعيدها القطاع الخاص الى الاستثمار في الداخل, اذا توفرت الفرصة الاستثمارية المناسبة وتوفر جزء من الاستقرار والامن وحسن الجوار في منطقة الخليج والجزيرة العربية وبقية الدول العربية. وإلى جانب هذه الارصدة المالية فإن الاحتياطات العامة للدول والمؤسسات العامة المستثمرة في الخارج والتي قدرت بمبلغ 214 مليار دولار عام 1981, قد تفوق الديون الخارجية المستحقة على دول مجلس التعاون الست والبالغة 99.7 مليار دولار عام 1997. وهذه الارصدة العامة المتبقية يمكن الاستفادة منها ايضا في توفير موارد مالية لعملية التنمية. سادسا: المجالات الاستثمارية الاخرى: هناك مجال للاستثمار والتنمية في عدد من النشاطات الاقتصادية الانتاجية والخدمية. فهناك مجال للاستثمار في الصناعات التحويلية عامة وورش الصيانة المتقدمة وصناعة الانشاءات والصناعات عالية التقنية. وقد ذكر عدنان شهاب الدين سبع صناعات في مجال المعلوماتية والتكنولوجيا المتقدمة واعتبروها صناعات واعدة بالنسبة لدول المنطقة. واضافة الى ذلك تشكل الموارد البحرية امكانات متعددة للنشاط الاقتصادي المجدي, فالبحر وموارده وعلاقاته وما يتيحه من نشاطات متعددة تفتح آفاقا للاستثمار في المنطقة تعيد ارتباط اهلها بالجغرافيا والتاريخ. وتمثل مجالات الخدمات المالية والسياحة, بل الزراعة ايضا ومنها الزراعة الصحراوية نتيجة ما يشير اليه التقدم العلمي في مجال استخدام المياه المالحة والبذور المهجنة, فرص استثمار يمكن الاستفادة منها في تنويع مصادر القاعدة الاقتصادية وانتاج الغذاء وزيادة فرص العمل المنتج للمواطنين, هذا اضافة الى قطاع خدمات الانتاج العديدة. سابعا: البنية التحتية: توجد لدى المنطقة بنية تحتية متطورة نسبيا وغير مستخدمة في مجالات الانتاج وانما مسخرة في معظمها للاستهلاك. وتتمثل هذه البنية التحتية في شبكات الطرق والموانىء والمطارات ونظم الاتصالات المتقدمة والمنافع والمرافق والخدمات والمباني العامة والخاصة, ويمكن للمنطقة ترشيد استخدام هذه المرافق وتشجيع زيادة استخدامها من اجل الانتاج بما يساعد على تنمية الميزات التنافسية للنشاطات الاقتصادية. ثامنا: مضاعف الاندماج الاقليمي والتكامل العربي: وهذه الامكانية تتمثل في تحقيق الاندماج الاقليمي من خلال اقامة كيان فدرالي نواته الدول الاعضاء في مجلس التعاون تحقيقا لما وعد به نظامه الاساسي. ان قيام الكيان الموحد لدول المنطقة وتوجهه الى حل مشكلات الحدود الداخلية وحل خلافاته مع جيرانه والدخول في علاقات تكامل وتعاون انمائي في اطار التكامل العربي, سوف يوسع آفاق التنمية ويسمح بمواجهة تحديات اتفاقية التجارة الدولية. هذا اضافة لما سيفرضه الكيان الفدرالي الموحد من ضرورات مشاركة سياسية فعالة, وما سيوفره من امن واستقرار وحسن جوار يسمح للجميع بالتركيز على جهود التنمية الشاملة والمستدامة, وتوفير فرص العمل المجدية والكريمة لشعوب المنطقة في اطار نظام حكم ديمقراطي يحفظ حقوق الاقطار والشعوب والجماعات المنطوية تحت لوائه. استراتيجية اقليمية ان الامكانيات السابق ذكرها هي امكانيات فعلية اذا نظرنا اليها من زاوية العقل ومنطق المصلحة العامة, وهي امكانيات تم ايرادها على سبيل المثال لا الحصر. ولكن يبقى امر الاستفادة من هذه الامكانيات مرهونا بوضع استراتيجية للتنمية وتطبيقها على ارض الواقع. ومما يؤسف له حقا ان المنطقة قد اضاعت على نفسها فرصا وامكانيات افضل من الامكانيات السابق ذكرها, بالرغم من كثرة الحديث عن التنمية وانجازاتها. وقد كشفت الاوضاع النفطية المتردية منذ منتصف الثمانينات مدى خطورة استمرار الاعتماد على ريع النفط, وأظهرت تردي مؤشرات (التنمية النفطية) عامة. بل ان المسار العشوائي المتقلب للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي صاحبت عصر النفط, تعدت أخطاؤه اليوم ضياع فرصة التنمية الى خطيئة تهديد اقطار المنطقة لا سيما الصغيرة منها بنمط من (تنمية الضياع) ان صح اطلاق مصطلح التنمية على تلك المتغيرات. واليوم تبرز الحاجة الى استراتيجية اقليمية للتنمية الشاملة المستدامة كما برزت عند بداية تأسيس مجلس التعاون في مطلع الثمانينات. وذلك عندما طلبت الامانة العامة لمجلس التعاون من ندوة فكرية دعت اليها الامانة العامة عام 1983 اعداد استراتيجية للتنمية في دول المنطقة. وفي تقديري ان (مشروع الملاحة العامة لاستراتيجية التنمية والتكامل) الذي شارك في اعداده ومناقشته اكثر من مائة من ابناء المنطقة ومن المهتمين بأمر تنميتها, وقدمته الامانة العامة مشكورة الى وزارة التخطيط في مطلع 1984, ما زال صالحا في اساسياته. ولذلك لا أرى هناك حاجة الى صياغة مشروع جديد, وانما نحن في امس الحاجة الى ارادة التنفيذ. وقد يكون من المفيد في سياق مناقشتنا لآفاق التنمية في دول المنطقة التذكير بالعناصر التي تكونت منها وثيقة (مشروع الملامح العامة لاستراتيجيات التنمية والتكامل) وهي ستة عناصر: أولها: المنطق والطموح. وثانيها: الغايات بعيدة المدى. وثالثها: التحديات. ورابعها: الامكانيات. وخامسها: الاهداف الاستراتيجية العاجلة. وسادسها: متطلبات تنفيذ الاستراتيجية. ولعل القاء نظرة سريعة على عناوين الاهداف الاستراتيجية العاجلة تساعدنا على تقدير مدى صلاحية وثيقة الاستراتيجية في الوقت الحاضر, بعد تعديلها وتطويرها بما يتناسب مع المستجدات التي حدثت في المنطقة منذ وقت الانتهاء من صياغة الوثيقة. وقد شملت تلك الاهداف الاستراتيجية العاجلة ثمانية اهداف هي التالية: ــ تخفيض الاعتماد على النفط واخضاع انتاجه لاعتبارات التنمية. ـ تخفيض حجم قوة العمل الوافدة وتعديل تركيبها وتحسين نوعيتها. ـ اخضاع النفقات العامة لمعايير الجدوى الاقتصادية. ـ اصلاح الادارة الراهنة وتنميتها. ـ بناء قاعدة اقتصادية بديلة. ـ بناء قاعدة علمية تقنية ذاتية متطورة. ـ اصلاح التعليم وربطه بمتطلبات التنمية. ـ ثم توفير البيئة الملائمة لتنمية ثقافية اجتماعية مستمرة. تلك هي الاهداف الاستراتيجية العاجلة التي وضعتها الاستراتيجية لنفسها. ولم تكن تلك الاهداف موضوع خلاف, ولا كان التحليل والرصد اللذان سبقاها عند تحديد المنطلق والطموح, والغايات بعيدة المدى, والامكانيات, والتحديات. وانما كان التخوف من العنصر الاخير في الاستراتيجية وهو متطلبات تنفيذ استراتيجية التنمية والتكامل, وعلى وجه التحديد مطلب تجسيد الكيان السياسي الموحد لدول المنطقة وترسيخ اسسه وتمكينه من ايجاد قيادة اقليمية للتنمية تقوم بالتوجيه العام والتنسيق من خلال وسيلة التخطيط الاستراتيجي الذي تعمل خطط التنمية الوطنية في اطار مؤشراته, وقد بدأ ذلك التخوف واضحا في الاجتماع الختامي للندوة الموكلة باعداد الاستراتيجية والذي شاركت فيه نخبة من ابناء المنطقة كما شارك فيه الامين العام لمجلس التعاون ومساعدوه. لقد وقف عبد الله بشارة (الامين العام للمجلس حينذاك) مترددا حيال قبول الاستراتيجية بسبب وجود العنصر السادس فيها المتعلق بمتطلبات تنفيذ الاستراتيجية واقترح حذف هذا العنصر. وكانت اجابة فريق الصياغة والمشاركين في الندوة ان الاستراتيجية تبقى رغبات حسنة اذا لم تتوفر لها متطلبات التنفيذ التي تجعل منها استراتيجية قابلة للتطبيق في حالة تبنيها من قبل المجلس الاعلى, وليست مجرد امنيات. ولم يحسم تردد الامين العام لمجلس التعاون الا مداخلة محمد علي النعيم محافظ الرياض آن ذاك حين قال: لدي سؤال لمعالي الامين العام. سمعت تصريحا يقول بأن مجلس التعاون كان رغبة لدى الشعوب حققها قادة المنطقة, ولا اعرف ان كان هذا التصريح هو لمعاليكم ام لا؟ اجاب عبدالله بشارة: نعم انا صاحب التصريح. فقال النعيم: اذا كانت تلك هي الرغبة الاولى لشعوب المنطقة وقد حققها القادة, فاستراتيجية التنمية والتكامل هذه اليوم هي الرغبة الثانية لشعوب المنطقة, نأمل ونرجو من قادة المنطقة ان يحققوها. وهنا ابدى الامين العام قبوله للوثيقة بعناصرها الستة, وقدمتها الامانة العامة في مطلع عام 1984 الى وزراء التخطيط ونشرتها في مجلة التعاون الصادرة عن المجلس. الا ان ارادة التنفيذ مع الاسف لم تكن متوفرة آن ذاك ولذلك لم تتعد مناقشة الوثيقة مستوى اجتماع وزراء التخطيط, والذي لم يسمع المشاركون في وضع الاستراتيجية بتكليف من الامانة العامة, القرار الرسمي الذي اتخذه الوزراء حتى يومنا هذا ان كانوا قد اتخذوا قرارا. فهل هناك اليوم فرصة لاعادة مناقشة موضوع الاستراتيجية في سياق استشرافنا لآفاق التنمية في دول المنطقة؟ ارجو ان تكون هناك فرصة اليوم لمناقشة الاستراتيجية على مستوى اعلى, وأملنا كبير في ذلك, من اجل تدارك ما يمكن تداركه من فرص لتغيير المسار الخطر الذي تسير فيه دول المنطقة, والتحول الى منعطف آمن يسمح لمجتمعات المنطقة بأن تستفيد من الفرص التنموية التي ما زالت متاحة بالرغم من مظاهر الازمة الراهنة.
تلازم الارادة والادارة شرط لمواجهة التحديات، آفاق التنمية المستقبلية في اقطار مجلس التعاون،بقلم: د. علي خليفة الكواري
