تشهد العلاقات الخليجية الايرانية حالة انفراج غير مسبوقة, تمثلت حتى الآن بزيارات متتالية لمسؤولين خليجيين رفيعي المستوى إلى العاصمة طهران, رافقتها اشارات ترحيبية لافتة من الجانب الايراني . وتكتسب الزيارة التي قام بها الأمير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع و الطيران والمفتش العام السعودي لطهران أهمية حيوية في هذا الخصوص. وهي تتزامن كذلك مع زيارة يقوم بها وزير الخارجية البحريني الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة إلى العاصمة الايرانية, في اشارة جديدة على التحسن الجاري في العلاقات بين البلدين. خلفية الانفراج ويمكن اجمال الخلفية التي نشأ في ظلها هذا الانفراج وأصبح بسببها ممكنا في التطورات التالية: أولا: التحسن الكبير التي تشهده العلاقات السعودية الايرانية منذ زيارة ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز لايران العام الماضي لحضور قمة المؤتمر الاسلامي ولقاءاته الناجحة هناك مع المسؤولين الايرانيين. وهي زيارة سبقها قرار سعودي حكيم باغلاق ملف انفجار الخبر الذي أشارت المصادر الأمريكية في وقتها إلى ضلوع ايران فيه. وقد ظهر هذا التحسن في مجالين لافتين: الأول في المجال النفطي, حيث أمكن للتفاهم بين طهران والرياض والتنسيق المشترك للسياسات النفطية داخل الأوبك, ان يؤدي إلى حل مشكلة زيادة المعروض من النفط ومن ثم ارتفاع أسعاره. المجال الثاني وهو التزام الايرانيين جانب الهدوء في حج هذا العام, مما لقي ارتياحا وترحيبا واسعين في صفوف السعوديين. ثانيا: أما التطور الآخر الذي انعكس ايجابيا على العلاقات الايرانية الخليجية فهو نأي طهران بنفسها عن الأزمة العراقية واقامة نوع من التفاهم الضمني مع دول مجلس التعاون حول الموقف من العراق. وقد رفضت طهران بكياسة ودبلوماسية حتى الآن العروض العراقية الكثيرة للتنسيق وتوحيد المواقف لمواجهة السياسة الأمريكية في المنطقة. ثالثا: التطور الثالث هو اضطراد وتيرة الانفراج الأمريكي ناحية طهران. ولا يخفى ان اشارتين مهمتين صدرتا في الآونة الأخيرة من واشنطن, وقد عززت القناعات الخليجية بضرورة الاسراع باصلاح العلاقات مع ايران. الاشارة الأولى هي الاعتذار الأمريكي العلني لايران عن السياسات والاجراءات المتخذة في حقها سابقا, وقد جاء هذا الاعتذار على لسان الرئيس بيل كلينتون نفسه. أما الاشارة الثانية فهي قرار تخفيف العقوبات الأمريكية التجارية على ايران, وهناك محاولات وجهود تبذلها الشركات الأمريكية حاليا لتأمين عقود نفطية وتجارية مختلفة مع هذا البلد. حدود الانفراج وطبيعته في الأيام الأولى لزيارته حرص ولي العهد السعودي الأمير سلطان بن عبدالعزيز على الايضاح للايرانيين بأن ملف التعاون الأمني والعسكري المقترح من قبلهم مازال سابقا لأوانه, وان الأولوية السعودية الحالية هي لتطوير العلاقات الاقتصادية وتعميق المناخات الايجابية الحالية, بعد عقود من العداء والجفاء بين البلدين. ويعكس التصور السعودي تصورا خليجيا اشمل يقوم على أساس التدرج في نسج خيوط العلاقات ابتداء من الاقتصاد والتجارة, مرورا بالتفاهم السياسي وصولا إلى التنسيق الأمني وليس العكس. كما ينسجم هذا التصور مع السياسة الأمريكية التي تعمل تدريجيا ولكن حثيثا على انضاج الظروف الملائمة داخل ايران لتحسين العلاقات بين البلدين. من هنا يمكن القول بأن التقارب الخليجي الأمريكي مع ايران يهدف بالدرجة الأساسية إلى استكشاف آفاق التعاون المستقبلي والاستراتيجي, وتأمين دور ايراني ضمن أي ترتيبات اقليمية قادمة في اطار الحفاظ على أمن الخليج العربي. وهو في المدى القريب يهدف إلى دعم الرئيس الايراني محمد خاتمي للنجاح في برنامج اصلاحاته السياسية والاقتصادية. ويبدو ان توقيت المبادرات الخليجي قد اختير بشكل مناسب بعد تزايد الضغوط على الرئيس الايراني من جانب المحافظين. لكنه إلى جانب الدفعة القوية التي منحها لتطوير العلاقات السياسية والاقتصادية, فإن الجهد الخليجي يتحوط أيضا من التفاعلات السياسية الايرانية الداخلية وما سيسفر عنه الصراع بين الأجنحة المتصارعة في النظام الايراني. بالاضافة إلى مراعاة وجود ملفات لاتزال مفتوحة في العلاقات الخليجية الايرانية مثل مشكلة الجزر الاماراتية الثلاث التي تحتلها ايران. من هنا فإن المستوى الحالي من الانفراج موجه بصورة خاصة إلى تشجيع الايرانيين على مواصلة سياسة الاصلاح والانفتاح اقليميا ودوليا والتعامل بمسؤولية مع قضايا الأمن والاستقرار في المنطقة. وهو يعطي دول الخليج بالمقابل الفرصة للتأثير في هذه السياسات ايجابيا بما يؤمن بداية جديدة في العلاقات بين الجانبين ولكن في الوقت نفسه من دون تسرع أو تعجل. فدروس التاريخ وعبره توضح ان كل تقدم يتحقق في هذا المجال ينبغي اعطاؤه الوقت الكافي كي يثبت قدرته على الحياة والنجاح, والانفراج الجديد ليس استثناء في ذلك. بقلم: عمران سلمان