.انها صفوة هجين.. تضم مليارديرات وأصحاب احتكارات عالمية ومغامرين لا تقف اطماعهم عند حد ومضاربين يتخذون من رأس المال وطنا ولا يتوقفون لحظة كي يتأملوا ما قد تفضي اليه انشطتهم من اضرار تلحق بالأمم والشعوب الاعباء وربما الحساسيات الدبلوماسية لم تحل بين سعادة السفير ج. اورستروم موللر وبين ان يرفع عقيرته واصبعه ايضا محذرا من صراعات وربما مصادمات قادمة على الطريق بشأن تيار العولمة الذي تعد به سنوات القرن المقبل بعد ان بشرت به وطرقت أبوابه سنوات الغروب الأخيرة من هذا القرن العشرين . الدنيا حافلة بأصحاب السعادة السفراء, لكن السيد اورستروم هو الذي يتأثر باهتمامنا بالذات في هذه السطور, لا لكونه ممثلا لبلاده ــ الدنمارك لدى سنغافورة, ولا لأنه زميل لنا (كاتب السطور) في عضوية جمعية مستقبل العالم ولكن لان الرجل متهم مثلنا بقضية النزعة الكوكبية ــ العولمة التي تؤرق المضاجع وتثير كوامن القلق بحكم ما يترتب عليها من آثار ومتغيرات. في هذا السياق, كتب السفير اورستروم عدة دراسات, كتبا ومقالات لعل من أهمها كتاب صدر منذ أشهر قليلة ــ مع مطالع عام 1999 الحالي وناقش فيه مشاكل العولمة واختار له عنوانا يقول ــ نهاية النزعة الدولية. ان الباحث الدنماركي يصدر عن نفس المنطلق الذي نشاركه فيه وهو ان على العالم الثالث ونحن العرب في القلب منه الا يأخذ كل ما يصدر عن العالم الغربي ــ الأول وكأنه قضايا مسلم بها. بل علينا ان نتريث قبل ان نتأثر, وان نتأنى قبل ان نستورد وان نمحص قبل ان نتقبل ما نستورد ناهيك عن ان نجعل هذا الوارد من الافكار والمقولات والدعوات وكأنها جزء لا يتجزأ من نسيج حياتنا وبنية أفكارنا وانماط سلوكنا. العولمة ظاهرة قديمة ولقد يدهش القارىء حين نطالعه بقولنا: ان العولمة او النزعة الدولية (حتى لا نقول الدولنة) ليست وليدة اليوم ولكنها وليدة الأمس الذي لاحت تباشيره منذ منتصف الاربعينات أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على وجه التحديد. منذ ذلك التاريخ وحتى الان, ظلت الافكار المطروحة والنظريات السياسية والثقافية المتداولة, بل وظلت المخترعات والتطورات, والتجديدات التي اضفيت على حياة شعوب العالم ــ ظل هذا كله يصب في قناة واحدة, أو شبه واحدة, هي قناة العولمة بمعنى تقليص المسافات, والقفز فوق حدود الدول ومحاولة تجاهل تمايز الثقافات والهويات القومية للأمم والأوطان.. وربما بدأت هذه المحاولات بطروحات مبسطة أو متفائلة أو حتى ساذجة من قبيل الدعوة الى استخدام الاسبرانتو أو اللغة العالمية الواحدة.. الى ان تطورت ونضجت وسط تهليلنا وكأننا لا ندري العواقب, حين اصغينا بسعادة طروب ممزوجة باعجاب بالغ الى السيد مارشال ماكلوهان استاذ الاعلام الكندي الأشهر وهو يطرح مقولته الشهيرة التي يشير فيها بان العالم أصبح قرية الكترونية واحدة وكان ذلك في عقد الثمانينات (توفى البروفيسور ماكلوهان عام 1981) ومن ثم انتهت هذه الدعوات الى الشعار العتيد الذي نتداوله ليل نهار وهو العولمة أو الكوكبة بمعنى الشمول العالمي في اشتقاق الانجليز وبمعنى الاصالة الى كوكب الأرض في اشتقاق الفرنسيين.. والله أعلم. حكاية السوق ولعل أخطر ما في العولمة هو اتجاهها وتركيزها على تغييرات البنى المادية والهياكل الاساسية التي تقوم عليها المجتمعات.. تأمل مثلا تلك الدعوة التي نهلل لها نحن ابناء العالم الثالث وهي دعوة التحول الى اقتصاد السوق ولم نكلف خاطرنا طرح السؤال الجوهري البسيط الذي يقول في فضول مطلوب: ــ سوق؟ أي سوق بالضبط تقصدون؟ ــ والجواب هو السوق العالمية وهو جواب مستتر من نوع المسكوت عنه كما قد نقول.. وقبل ان نتأمل خطورة الاجابة سوف نجد من يتفلسف متبرعا بالقول: ــ هون عليك ان حكاية السوق هنا انما تعني الانصياع الى القوانين الطبيعية السليمة القائلة بالعرض والطلب مع ذلك فالحق ان نتساءل من جديد: وما علاقة قوانين العرض والطلب بدعوة العولمة؟.. ان المسكوت عنه هنا هو ان الدعوة في اساسها هي ربطنا بأحوال اقتصاد العالم.. وهي أن نصبح ترسا من تروس الكيان المهول المسمى بالسوق العالمية..ولا جناح علينا ان نكون شركاء في سوق العالم وتجارب العالم واقتصاد العالم, لكن بوصفنا الشركاء الانداد, أو الشركاء الاكفاء.. وهي وضعية دونها بالنسبة لافكارنا في العالم الثالث الفقير أو المتخلف أو فلنقل الآخذ في التمدن فرط القتال كما يقول المثل العربي القديم. شركة الغرماء وعليه, فلن نفوز إلا بمركز الشريك الاصغر أو الشريك الأدنى وساعتها لن ينطبق علينا سوى قانون يمكن ان نسميه تجاوزا باسم (شركة الغرماء) بمعنى ان نظل في حال من انتاج الخامات وتقديم المواد الأولية نبوء بصفقة مغبون في كل بورصة دولية وننصاع الى فرض اسعار تلك الموارد الاساسية من اطراف خارجية هي الأقوى وهى الاعتى بحكم احتكارها لمقاليد تجارة العالم وحركة رؤوس الأموال فيه دع عنك احتكار التكنولوجيات المتقدمة وهي تقوم بداهة على أساس ما حققه أهل العالم الأول ــ المتقدم من انجازات بعضها مصنف في خانة الفتوحات العلمية والفكرية والتقنية على وجه التدقيق. ومشكلتنا مع ظاهرة العولمة انها تبدو وكأنها قدر مفروض أو حتى محتوم. تأمل مثلا ذلك الحراك الدؤوب المتواصل عبر أقطار الكرة الأرضية يستوي في ذلك الحراك رؤوس الأموال بالمليارات أو زيادة حركة التجارة أو سبل نشر المعلومات بالاضافة الى حركة السلع بين الاستيراد والتصدير ثم حركة الاشخاص عبر الحدود. للعمل أو الزيارة أو الهجرة أو الدراسة أو لممارسة أنشطة متحركة منها ما يدخل تحت طائلة القانون مثل تجارة الرقيق الابيض أو تهريب المخدرات رغم هذا كله, فهانحن نتابع السفير الدنماركي الذي نميل الى دراسته في هذه السطور, وقد عكف في الدراسة المذكورة على رصد التيارات المستجدة على الساحة الدولية وهي تيارات التوجس من ظاهرة العولمة أو التشكك في جدواها أو التوقف عند السلبيات التي نجمت عنها. ولان الرابح هو دائما المهلل أو المشجع.. فان اطراء العولمة والترويج المحموم لها انما يأتي من شمال العالم حيث الشركاء المتقدمون وهم ايضا الرابحون. ولان الخاسر لابد وان يتوقف ليتأمل ويراجع حساباته ومعظمها مدين, وبجرد ما تبقى في حوزته من أوراق اللعبة ــ فقد كان حريا بالشركاء في جنوب العالم ان يعيدوا النظر في المقولات والدعوات التي روجت لظاهرة العولمة بمعنى تخطي الحدود وتذويب الفوارق التي تميز شخصيات وحياة وهويات الأمم والشعوب. صراعات ظاهرة وباطنة في هذا الاطار يرصد السفير المفكر اورستروم موللر عددا من الظواهر المهمة على النحو التالي: ثمة صراعات داخلية ظاهرة احيانا ومستترة بل محتقنة أحياناً تتم في مجتمعات الشمال الموسرة ولكنها تدور بين فئات الخاسرين اقتصاديا والمهمشين اجتماعيا ومنها مثلا ما يدور من تنافس على الأعمال الدنيا والاجور الرخيصة بين فئات من فقراء الفرنسيين من جانب وبين فئات من المهاجرين ــ أغلبهم مسلمون من جانب آخر والصراعات نفسها تدور في جنوب شرقي اسيا بين ابناء البلاد الفقراء (في تايلاند او ماليزيا او اندونيسيا مثلا) وبين ابناء الاقليات الوافدة المهاجرين هم او اباؤهم من الصين وقد اوجدتهم الظروف في مركز المتحكم في اقتصاديات تلك الاقطار والمهم في هذا كله ان ثمة صراعات تدور ظاهرة او باطنة, وانها تدور بين فئات وجماعات اقتصادية حول خطوط التهميش والفقر والاختلافات الدينية او المذهبية او العرقية وما اليها. ان عملية صنع القرار يضيف السفير الدنماركي (تتباعد شيئا فشىئا عن المواطن البسيط والفرد العادي.. لكي تكون مقصورة على فئات النخبة او الصفوة سواء كان موقع هذه النخب في اوساط الانتلجنسيا (الفئات المثقفة او المؤثرة فكريا واعلاميا) او كان في اوساط مؤسسات الحكم ذاتها او مراكز صنع القرارات ورسم السياسات. وبهذا تتسع الهوة باستمرار لتفصل بين صانع القرار ومن ينطبق عليهم أحكام القرار وبين راسم السياسة والذين يتوجب عليهم تنفيذ هذه السياسة بصورة او بأخرى ومثلا تقرر الصفوة المثقفة ان قوانين الاقتصاد تتطلب رفع كفاءة العمل وتقرر الصفوة صاحبة القرار ادماج مؤسسات او تقليص حجم مؤسسات او انهاء نشاط فروع بعينها في تلك المؤسسات وكم من حجة دامغة تساق لتبرير القرار وكم من مبررات توصف بأنها علمية وبأنها موضوعية تطرح لتسويغ وترشيد القرار الذي يصدر في حسم باتر ناجز لكي يتحول من خلاله الاف من العمال من حال الاشتغال الى حال البطالة, ومن حالة كسب الرزق للعيال الى حال لايتأكد فيه رب الاسرة (العامل السابق) ان بوسعه ان يكسب رزقا اذا طلعت شمس الغد, اصبح عاطلا ولم يستشره احد.. واصبح في الشارع دون اي ذنب جناه.. تشويه الطابع القومي في ظل هذه النزعة الى العولمة بات الكثير من الناس العاديين ابناء الشعب وليس افراد الصفوة يشعرون ان حكاية قوانين السوق سواء كانت اتباعاً لقوانين العرض او الطلب, او كانت التحاقا في حالة دول الجنوب النامية والفقيرة, هي حكاية تجلب التعاسة لملايين البشر, كيف لا .. والعولمة اصبحت مرادفة لتخطي الحدود وتجاوز النظم الوطنية بل (وتمييع) الطابع القومي والشخصية الوطنية لكثرة كاثرة من الامم والشعوب واذا كان دعاة العولمة يتيهون على الناس عجبا بأنهم يروجون لرفع القيود واتاحة حرية الحركة امام نقل التكنولوجيا وانتقال عوامل الانتاج فإن خصوم العولمة ناهيك عن الذين اكتووا بنارها, يحذرون الناس بأن رفع القيود ادى الى ازالة الضوابط التي كانت تفرضها وتشهد عليها الدولة القومية بمفهومها الكلاسيكي المعروف وهي ضوابط وقواعد كانت تصب في التحليل الاخير لصالح شعب هذه الدولة او تلك, تحمى صناعاته الوليدة وتعمل على ترشيد وارداته وتشجيع صادراته ورسم سياسات للتعاون الخارجي من شأنها ان تصون شخصيته الوطنية وطابعه القومي المميز. صحيح ان مثل هذه الضوابط شأنها شأن اي ضوابط او لوائح او قيود تظل بحاجة دوما الى مراجعة واعادة نظر في ضوء المستجدات من حيث الظروف الدولية والتقدم العلمي ونضج الوعي السياسي الداخلي وضرورة بناء جسور للتفاعل مع متغيرات الساحة الدولية وخاصة في مجالات البحث والتطوير ومنجزات التكنولوجيا وما الى ذلك, لكن الصحيح ايضا ان الانسياق وراء حكاية العولمة (على اطلاقها) وخاصة في حالة شعوب الجنوب يمكن ان يسفر كما ينبهنا الى ذلك السفير صاحب كتاب (نهاية النزعة الدولية) الذي المحنا اليه في صدر هذا الحديث. تحذيرات سعادة السفير والرجل لايكذب خبرا في تحذيراته ولها مصداقية ان السفير الكاتب ينتمي اولا الى واحد من بلدان الشمال المتقدمة والمرفهة ايضا هو الدنمارك كما ينتمي ثانيا الى فئة الصفوة الهيئة الدبلوماسية في ذلك البلد الاوروبي, فضلا عن انتمائه الى الصفوة المفكرة والكاتبة على مستوى بلاده والعالم. ومجمل تحذيرات السفير اورستروم موللر ينصب على ما يسميه (العناصر الدولية القبيحة) او ما يمكن ان نصفه بأنه.. اوغاد العولمة انها في رأيه المؤسسات المشاريع السوبر عملاقة... الفوق وطنية وهي كما يدل اسمها تتجاوز المفهوم التقليدي للشركات عبر الوطنية او المؤسسات المتعدية الجنسيات انها الشركات والمشاريع العملاقة التي تتولد من رحم عمليات التدامج والتشارك المليارية من حيث الحجم والنشاط ورأس المال وهي في التحليل الاخير احتكارات سوبر دولية او هي احتكارات كوكبية يتصدى سوقها ومستهلكوها وشبكة انشطتها حدود الاقطار بل والاقاليم والقارات المعروفة في عالمنا لانها تعتبر كرة الارض سوقا.. وترى في الستة بلايين وهم سكان الكوكب جماهيرها المستهدفة. ويأتي القبح المنسوب الى هذه المؤسسات الاوغاد من القوانين او الآليات التي تحكم حركتها بالضرورة وليس بمجرد التطوع او الالتقاء انها قوانين العولمة من جديد.. تلك التي لاتجعل تلك المؤسسات تتحمل اي مسؤوليات يعتد بها ازاء هذا الشعب او ذلك البلد او تلك المنطقة من مناطق العالم انها تتجاوز, ومن ثم تتجاوز الطابع المحلي والمقتضيات القطرية والمطالب الوطنية وحتى الاوضاع والمشاكل الاقليمية بحكم انها تعمل على المستوى الاعلى من هذا كله, والاشمل من هذا كله, مستوى العولمة.. ولافخر ولانها كذلك فهي تتجاهل بالضرورة الاحتياجات المحلية للبشر الذين يسكنون هنا او هناك انها تراهم ارقاما في جدول او قطعا في رقعة شطرنج كوكبية وأنى لها ان تسمع شكاواهم او تصغي الى معاناتهم او حتى تستطلع آراءهم وهي في شغل بالضرورة عن هذا كله لانها تتحرك في انشطتها وممارساتها واهدافها المتوخاة في مجرة تسع الكوكب وربما تتجاوز استراتيجيا على الاقل الى الكواكب الاخرى. اكسبريس العولمة مشكلة العولمة انها مثل قطار اكسبريس يجري بسرعة رهيبة... وباللغة العربية حين اصطنعت عبارة ينهب الارض نهبا جاءت آية على السرعة الفائقة وها هو قطار العولمة ينهب كرة الارض التي تعيش عليها وهذا القطار تستقله الصفوة التي ساعدتها الظروف وهي ليست بالصفوة المتعارف عليها من حيث قدرات الفكر والفلسفة او مواهب الفن والابداع او حتى صفوة الحكم والسياسة وتدبير الامور انها صفوة هجين كما قد نسميها تضم مليارديرات واصحاب احتكارات عالمية ومغامرين لاتقف اطماعهم عند حد من الحدود ومضاربين يتخذون من رأس المال وطنا ولايتوقفون لحظة كي يتأملوا ما قد تفضي اليه انشطتهم من اضرار تلحق بالأمم والشعوب. انهم لايتوقفون عند اي محطة ليسمعوا صوت الناس.. البشر.. ملايين.. بلايين البشر.. ليسألوهم ماذا يشعرون وماذا يحتاجون وماذا يرون ازاء معاناة الراهن او احتمالات المستقبل. هنالك تضيق الثغرة الفاصلة كما اسلفنا بين الصفوة وسواد الناس عبر الاقطار والامصار وتنذر الثغرة بمصادمات قد لاتحمد عقباها بين الجانبين وهي مصادمات بين نزعة العولمة كما حدثناك عنها وبين نزعة القوميات وماتنطوي عليه من تمسك الشعوب بوجودها وتراثها واحلامها وهوياتها الوطنية وطابعها القومي. في هذا المضمار يطالعنا السفير المفكر اورستروم موللر بالرأي الذي خلص اليه بعد الدرس والتحليل يقول: من المستبعد ان يكون الفوز للصفوة في مثل هذه المصادمات المحتمل وقوعها مع سواد الناس, واذا وقعت تلك المصادمات بعد فترة من استشراء العولمة على حساب القومية, فمن المرجح ان تعود القومية الى الظهور ولكن بصورة اقوى وربما على نحو اسوأ من حيث العنف واحتدام الصراع.