المراسلون الغربيون الذين قاموا بتغطية اجتماع منظمات حقوق الانسان العربية الذي اختتم مؤخرا في(الدار البيضاء)خرجوا بثلاث ملاحظات : اولا: ان المغرب هو الدولة العربية الوحيدة التي وافقت على استضافة الاجتماع. ثانيا: ان الغالبية الساحقة من ممثلي المنظمات المشاركة كانوا من غير الاسلاميين رغم مشاركة اعضاء اسلاميين. ثالثا: ان الاجتماع لم يتمكن عمليا من بلورة الهدف الرئيسي الذي من اجله عقد... وهو انشاء امانة عامة مستديمة في اطار اتحاد عام لمنظمات حقوق الانسان العربية... لان الدول العربية كافة ــ بما فيها المغرب نفسه ـ رفضت ان تكون مقرا للاتحاد وامانته العامة! ماذا يمكن ان نستخلص؟ هناك على الاقل خلاصتان: ان معاداة حقوق الانسان (فولكلور) عربي رسمي ينتظم كل الدول العربية رغم ما يبدو من خلافات وصراعات بين الانظمة العربية. ثانيا: ان الاسلاميين ليسوا وحدهم ضحايا الاستهتار العربي الرسمي بحقوق الانسان وخرقها بصورة منهجية ثابتة. على ان خلاصة الخلاصة في تقديري هي ان القمع السلطوي في الوطن العربي ليس تطورا طارئا وقتيا وانما هو في الحقيقة جزء لا يتجزأ من الطبيعة الجوهرية الثابتة لنظام الحكم في عدد من الدول العربية. هو في كلمة واحدة الوجه الآخر لحالة التبعية الاقتصادية التي تفرز بدورها حالة من الظلم الاجتماعي المستديم والتي بدورها تفرز تذمرا متصاعدا ومتسع النطاق مما يتطلب بالتالي قهرا وقمعا. تأمل مثلا ظاهرة البطالة المتنامية في كثير من البلدان العربية. ان السبب المباشر المرئي لهذه الظاهرة هو تقلص فرص العمل بمعدلات متزايدة, في الوقت الذي تواصل الجامعات ومعاهد التعليم الاخرى الدفع بعشرات الالوف من شباب الخريجين سنويا الى سوق العمل. غير ان للظاهرة تعليلا اعمق. انظر في دول الشمال الافريقي العربية وستكتشف ان ظاهرة تقلص فرص العمل نشأت في الحقيقة عن برامج (الخصخصة) التي تطال عشرات المؤسسات والشركات والمصانع والمرافق المملوكة للقطاع العام بما يؤدي الى تشريد مئات الألوف من العاملين سنويا. في الجزائر مثلا بلغ عدد العاطلين العام الماضي نحو نصف مليون. والخصخصة على هذا النحو قرار سياسي تتبناه الحكومات بضغوط امريكية حتى تنتقل ملكية المؤسسات المخصخصة الى وكلاء رأس المال الامريكي المحليين... وبثمن بخس. ومن ثم فإن القيمة المتحصلة لا تذهب الى الخزينة العامة... وانما الى بنوك دائنة في الخارج هي في الاغلب ايضا مؤسسات امريكية. وقس على ذلك قرارات اخرى: خفض سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار لترتفع فاتورات المستوردات السلعية من الخارج مع انخفاض حصيلة الصادرات. ومع تراكم افرازات مثل هذه القرارات على الصعيد التطبيقي ينشأ استقطاب اجتماعي حاد: شريحة طبقية من مليونيرات ومليارديرات لا تمثل اكثر من واحد في المائة من المجتمع تقابلها اغلبية تواجه العناء اليومي لغلاء العيش... واحداهما تزداد غنى والثانية تزداد فقرا. التذمر العام في هذه الاحوال حتمي ومتوقع لكن لا يأخذ السلطة على حين غرة. فالذين فرضوا سياسات التبعية الاقتصادية في الخارج وشريحة المستفيدين من تطبيق هذه السياسات في الداخل يدركون سلفا حقائق الموقف وما ينبغي عمله. وعلى هذا الاساس يراعى بالضرورة ان تكون بنية السلطة بنية قهرية. من هنا نعرف لماذا يكون دعم الاجهزة الامنية الداخلية في الوطن العربي على رأس قائمة اولويات الدولة كتوجه ثابت... وبالتالي لماذا صار قطاع الامن الاكثر كفاءة من قطاع التعليم وقطاع الرعاية الصحية. * كاتب صحفي وسفير سوداني سابق