كما توقعنا في مقالتنا الأسبوع الماضي مر الرابع من مايو (بهمروجة) فلسطينية وفق سيناريو تم كشفه تفصيليا في العديد من الصحف قبل حدوثه . ولسنا في صدد تسجيل المواقف ولسنا من عشاق مقولة (ألم نقل لكم ذلك من قبل) , كما أننا نربأ بأنفسنا ان تنطلق معارضتنا للسلطة وقيادتها من مواقع ذاتية أو غرائز انتقامية ولذلك سنطوي ملابسات تلك الهمروجة وقرارات (اللاقرار) وحدث (اللاحدث) , كما سنغض الطرف عما أصاب القضية من أضرار فوق ما أصابها بسبب الأداء السياسي المرتجل ورفع الشعارات المثيرة ثم التراجع عنها. سنطوي هذا كله, ليوم حساب ما زال إلى علم الغيب موعده, لنسأل عما هو آت بعد الرابع من مايو الذي مضى وانقضى كغيره من أيام الانتظار بلا قدسية ولا من يقدسون. انتظار ماذا؟ وانتظار من ؟ ومتى؟ من دون مزايدة ومن دون مناقصة, شعب فلسطين لن يرضى ولن يقبل ولن يذعن لأي حل لا يضمن ولا يحقق ما يعتبره الحد الأدنى من حقوقه الوطنية التي اقرت له بها الشرعية الدولية, والتي لن نمل من تكرارها, وهي حق العودة وتقرير المصير والاستقلال الوطني في دولة كاملة السيادة فوق كل شبر من الأراضي التي تم احتلالها عام 1967 بما فيها ذلك الجزء من القدس الشريف وما حولها التي نخشى ألا تشملها كلمة (شريف) بمعناها الديني وان كانت لها نفس القداسة الوطنية. هذا ما قبل به الشعب, على مضض, وفق قرار المجلس الفلسطيني يوم كان هناك مجلس وطني يمتلك حق الادعاء بتمثيل الشعب الفلسطيني, وذلك انطلاقا من تقييم لمجمل وضع القضية وعملية الصراع وكل ما يحيط بها من ظروف موضوعية هيمنت على الوضعين القومي والدولي. لقد مر على هذا القرار التوافقي أكثر من عشر سنوات, وعلى أساسه قبل الفلسطينيون الذهاب إلى مدريد ثم الدخول في مفاوضات واشنطن إلى ان كانت نكسة الانعطاف بالمسيرة إلى انفاق الدبلوماسية السرية المخابراتية, وانتهت إلى اتفاقية أوسلو التي مر عليها بدورها خمس سنوات, انتهت بالرابع من مايو وهي مهلة ما عرف بالمرحلة الانتقالية. ومازلنا ننتظر , ننتظر ماذا؟ ومن؟ وإلى متى؟ قالوا في السلطة, انهم ينتظرون نتائج الانتخابات الاسرائيلية, حسنا, وماذا سيحدث بعد انتهاء الانتخابات, بغض النظر عمن سيربحها؟ إذا نجح نتانياهو فالسيناريو معروف, وهو في أحسن أحواله امتداد لما كان عليه الوضع قبل الانتخابات, أي تأجيل وتسويف في الوصول إلى أي اتفاقات يتبعها تأجيل وتسويف في تنفيذ مايتم الاتفاق عليه, هذا إذا التزم الجانب الاسرائيلي بما وقع عليه ولم يجد ألف ذريعة لعدم التنفيذ. وإذا نجح باراك فالسيناريو كذلك معروف, ولكن بأسلوب قد يكون أكثر مرونة وأقل فظاظة من أسلوب نتانياهو, وفي ذات الوقت لن يكون بمرونة حكومة بيريز. ولن نضيع وقتنا في المقارنة بين الرجلين أو التجمعين, فاننا سنأخذ عن بارك ما صرحه في برنامجه الانتخابي, لنجد فيه صورة طبق الأصل في جوهرها عن برنامج نتانياهو, مع فارق واحد, لا أعتقد ان فلسطينيا واحدا يراهن عليه أو يعتبره مكسبا وهو اضافة عدد ضئيل من الكيلومترات المربعة على ما وعد نتانياهو بـ (التنازل) عنه, أما القدس والحدود واللاجئون والدولة ذات السيادة فكلها أمور غير واردة في ذهن باراك ولا من هم حوله. وسواء كان تقديرنا هذا دقيقا أم غير ذلك, فمن الواجب أخذه في عين الاعتبار وتصنيفه ضمن جملة الاحتمالات وبالتالي لابد من اعداد العدة من الآن لتقدير ما يجب على الفلسطينيين, موالين ومعارضين اتخاذه من اجراءات وتحركات تكفل مجابهة مثل هذا الاحتمال. ولكي لا نقول كلاما أكبر من قدراتنا, أو ان نهرب من المجابهة بألفاظ ثورية وشعارات هروبية, فاننا نطرح السؤال التالي: هل باستطاعة الفلسطينيين التصدي لأي مجابهة وهم على ما هم عليه من تفكك وانقسام؟, ام أنه لابد لهم من اعادة ترتيب أوضاعهم والخروج عن متاريس الشرذمة إلى رحاب الوحدة الوطنية الشاملة, التي تضم الخارج إلى الداخل, والموالي إلى المعارض, والاسلامي إلى العلماني و... وإلى آخر المنظومة التي لابد من تشكيلها من جديد ليصطف الشعب من حولها وليستعيد بذلك قدرته على التحرك على كل المستويات؟ كما نسأل ان كان باستطاعة الفلسطينيين حتى ولو توحدوا ان يصمدوا لوحدهم في مقارعة المشروع الصهيوني مع ما يلقاه من دعم أمريكي وتواطؤ أوروبي ودولي؟ وبالتالي ألم تحن اللحظة المواتية لوقفة شجاعة لتطبيع العلاقات العربية ـ الفلسطينية على قاعدة التنسيق المشترك لانجاز المصير المشترك؟ أو لم يعتبر قادة السلطة الفلسطينية ومعهم بعض قادة العرب بالحقيقة القومية الراسخة بأنه لا حرب من دون مصر ولا سلام من دون سوريا, أو لم يستشعر الجميع فلسطينيون وعرب, انه لم يبق أمام النهج التسووي الراهن سوى الهاوية, التي ستبتلع الجميع, ان هم لم يثوبوا إلى رشدهم ولم يعودوا إلى العمل المشترك والتضامن القومي؟ بدلا من انتظار نتائج الانتخابات الاسرائيلية, أو الوعود الأمريكية باشارات غامضة غير ملزمة, وأصلا غير كافية, أليس الأجدر بالقيادات الفلسطينية في السلطة وخارجها ان يجدوا في البحث عن مخارج للأزمة الخانقة التي يحياها شعب فلسطين ومعه كل العرب؟ ليس من بديل غير هذا البديل, السعي من أجل مصالحات وطنية وأخرى قومية تكون مقدمة لموقف مشترك وعمل مشترك, ان ذلك ممكن , وممكن جدا, إذا توخينا الصدق مع الذات ومع الآخر. ولقد رشحت هذا الأسبوع مجموعة أخبار تؤكد مثل هذه الامكانية, فمصالحة أو مصارحة المهدي مع الترابي صورة عن محاولات المصالحة الوطنية, وكذلك مصالحة السودان مع اريتريا على المستوى القومي, ويمكن ان نضيف إلى هذه الخانة اتفاق دولة الامارات مع دولة عمان على رسم الحدود بينهما, ودعوة المغرب لفتح الحدود مع الجزائر وتأكيد الطرفين على التزامهما بحل مشكلة الصحراء الغربية وفق قرارات الأمم المتحدة, بل أكثر من ذلك فإن نزع فتيل الحرب بين تركيا وسوريا, والتقارب الأردني السوري, وتبادل الزيارات بين الرياض وطهران, هذه كلها اشارات مشجعة على امكانية العودة إلى سياسة عقلانية تدرك أهمية التحرك في الساحات المشتركة التي تلتقي فيها مصالح الجميع. وليست اسرائيل بعيدة عن هذا كله, فهي الأخرى تعيش ارهاصات ما طرأ على المستوى الدولي من متغيرات, ولعل فيما يجري في البلقان هذه الأيام ما يدعو الاسرائيليين إلى الكثير من القلق. ان اسرائيل التي تدرك قبل غيرها معنى المتغيرات التي سيلحظها القرن المقبل, ومن بينها رفض أساليب التطهير القومي, لم تعد اسرائيل تلك التي نعرفها, فلا أحزابها كما كانت, ولا الايديولوجيات ولا المبررات والذرائع, وكما ورد على لسان أكثر من معلق يهودي, ان المعركة الانتخابية الراهنة لم تعد معركة بين مدارس فكرية مختلفة أو عقائدية متباينة بقدر ما هي معركة حول انتخاب (الأنسب) لقيادة اسرائيل في ظلال العالم الجديد, عالم العولمة وما يفرزه من تناقضات. على القيادات الفلسطينية, الموالية لعرفات والمعارضة له, ان تتخلى عن الكثير من أوهام المرحلة المنصرمة, ان أوهام الأوسلويين بامكانية اقامة الدولة المستقلة التي عاصمتها القدس عن طريق المضي في الانصياع للنهج التنازلي المستسلم للقرار الأمريكي, لا تقل عن أوهام بعض المعارضين بامكانية تحقيق هذا الهدف وفق استراتيجية الستينات, ناهيك عن تحرير كامل التراب. وبعد... يبدو لي كمواطن يحاول قراءة الاخبار بشيء من التبصر والعمق, ان هناك أحاسيس عربية جديدة بضرورة تحريك مياه المستنقع العربي بعد طول ركود عاد بالضرر على الجميع, هذه الأحاسيس يمكن ملاحظتها من التحركات التي سبقت الاشارة إليها, ولكن هذا لن يكفي, ولا يجوز ان يترك الأمر على عفويته, إذ لابد من تحرك أشد سرعة وأكثر جدية مما هو جار. ومن دون التقليل لدور أية دولة عربية فان الانظار تتطلع دائما إلى عواصم المثلث المؤثر, القاهرة ودمشق والرياض, ففي هذه العواصم الثلاث تكون الملفات مكتملة, وليس لواحدة من سر تخفيه على الأخرى, حتى لو شاءت, ولذلك فانها عندما تلتقي تكون الصورة أمامها كاملة, ولا مفر عندئذ من الالتقاء حول موقف واحد موحد. وقد حدث ذلك في الماضي وتعلقت آمال العرب على ما اتفق عليه القادة الثلاثة في الاسكندرية سنة 1995, ولكن سرعان ما انفرط العقد بسبب الوعود الغامضة والأوهام المعلقة على (عدالة) راعي السلام .. وملك الحروب. فهل آن الأوان لمثل هذه النقلة؟ أم انه ما زال في قدرة الجمل العربي ان يصبر وان ينتظر؟ وينتظر ماذا؟ ومن؟ وإلى متى؟