عندما وقعت أزمة الاسهم المحلية بعد جنون الاسعار في شهر اغسطس الماضي, تحدث الناس كثيرا عن مفارقات وحكايات وقصص لا تخلو من غرابة ولا معقولية, وكان السلوك الانساني هو سيد المفارقات, والبطل المتوج في عالم العجائب, وكثر الهمس وافرزت الأزمة ازمات اخرى على الصعيد الاخلاقي والانساني بوجه عام . وكما سمع الجميع وتناقل المجتمع, فقد سمعت حكايات عن رجال وسيدات دخلوا (لعبة الاسهم) من بوابة الطمع والشطارة واستغلال السذج أو الحالمين بالثراء السريع, حتى وان كان هؤلاء من المحسوبين في عداد الاخوة والاخوات والاصدقاء! ففي اغسطس وبعده لم يكن هناك اعتبار لشيء آخر سوى المال والمزيد منه وذهبت الكثير من العلاقات الانسانية ادراج الرياح. تحدث أحد الاخوة عن خسارته الفادحة في اعقاب صعود الاسهم في أغسطس وبداية انهيارها فيما بعد, ولأنه وقع ضحية الوعود والتطمينات فقد سار مع التيار واستدان وأوكل امر الشراء لشقيقه الذي كان يوهمه بأسعار لا أساس لها من الصحة, ويستلم منه مبالغ كبيرة كانت اغلب فروقاتها تذهب في جيب الشقيق المحترم في ظل غفلة اخيه وجهله. وعندما اكتشف الحقيقة كان قد تورط في صفقات باسعار كبيرة لم يعد لها وجود على ساحة سوق الاسهم, فابتلي باسهم خاسرة وديون مضاعفة, وكانت الخسارة الكبرى ازمة الثقة بينه وبين شقيقه. وأذكر ان أحد التعليقات التي لم انسها حتى اليوم ذلك الذي ذكره أحد الاخوة حين قال (المال لا يغير النفوس كما يتداول الناس ذلك, المال في الحقيقة يكشف حقائق النفوس ومعادن البشر)!! وفي الأمس القريب حدثني أحدهم عن حكايته مع صديقه الذي ما أن وصل الى منصب عال في احدى مؤسسات الدولة حتى تضخمت ذاته وانكشفت أمراضها التي كان يخفيها الفقر أو تواضع المكانة, فلما أصبح صاحب السيادة والنفوذ كان أول ضحاياه صديقه الذي كان ذا فضل عليه في السابق, حيث سارع الى النيل منه بشكل وضيع جدا مستغلا منصبه ونفوذه واسمه كمسؤول كبير, صور له مرض نفسه انه بامكانه أو من حقه تسخير أدوات الدولة وسلطاتها لصالحه, فبادر لاتهام صديقه بتهمة ما, معرضا اياه للاستدعاء من قبل التحريات واساءة السمعة والكثير من الضرر النفسي. المنصب لم يغيره في الحقيقة بل كشف حقيقته المختبئة فيه منذ زمن. المنصب مثل المال يكشف حقائق البشر ولا يغيرهم, هذه هي الحقيقة لا أكثر, المصيبة في حكاية هذا المسؤول, انها المشهد الأكثر تكراراً في حياة المؤسسات, التي تتعامل مع بعض المسؤولين كذوات مقدسة غير قابلة للمساس أو النقد, وكأن نقدها من المحرمات, وهذا الاتجاه في عالمنا الثالث الذي يسير بمنطق مقلوب تماماً يضحي بالعام لاجل الخاص, وبالمجتمع لاجل الفرد, هو الذي يراكم جبال الاخطاء والسلبيات ويعطي صفة الشخصانية والفردية, وبدل سيادة روح المؤسسات تسود روح متخلفة جدا تتستر على التجاوزات وأكثر من ذلك انها تجاملها وتنميها وتكافئها احياناً!!