تأمل الأسماء الشهيرة في عالم الفن الغنائي والموسيقي في الوطن العربي اليوم.. هل تجد أسماء في مستوى محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش وفيروز والأخوين رحباني ووديع الصافي ؟ وحاول أن تستذكر أسماء المشاهير من شعراء اليوم.. هل تجد أحداً في قامة أحمد شوقي وابو القاسم الشابي وعبدالوهاب البياتي وأمين نخله ونزار قباني؟ واعصر ذهنك لاستذكار الابداعيين الأدباء.. ولن تجد اسما واحداً يمكن ان يستحق المقارنة مع طه حسين وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ. وهل في اسماء النقاد الادبيين في عالمنا العربي اليوم اسم كاحسان عباس أو على الراعي؟ وحتى في فن الكتابة الصحفية.. هل هناك من يضارع محمد حسنين هيكل؟ والحديث هنا عن القدامى والجدد.. عن الاجيال السابقة والأجيال اللاحقة من خلال سؤال كبير؟ لماذا توقفت الأمة العربية عن إنجاب عبقريات؟ وهل عبدالوهاب وفيروز ونزار قباني وهيكل مجرد حالات فريدة شاذة عن السياق الحضاري الذي نشأت فيه؟ علم الاجتماع يفيدنا بأن ظهور العبقريات لمرحلة ازدهار حضاري وأن العكس صحيح. فعندما تتوقف أمه عن إنجاب عبقريات فإن ذلك يعني أنها تعيش مرحلة اضمحلال حضاري. وأخشى ما آل إليه حالنا اليوم. وما الانحطاط السياسي الذي يتغشانا اليوم إلا جانب واحد من جوانب متعددة من الاضمحلال العربي المسترسل. والسؤال لايزال قائما وان تغيرت صيغته: لماذا كانت عقود الثلاثينات والاربعينات والخمسينات أفضل حضاريا في الوطن العربي مما أتاح مولد ونشوء عبقريات في كل المجالات؟ ان الاجابة على هذا السؤال تتعلق محوريا بالطبقة الوسطى.. الطبقة التي تنجب المبدعين. فالتقلبات التي تصيب هذه الطبقة هي المؤشر الرئىسي للمسار الحضاري للمجتمع العربي.. تقدما أو تراجعا. الطبقة الوسطى في الوطن العربي هي المرادف الاقتصادي للطبقة المتعلمة والمثقفة. إذن فإن نوعية التعليم ونوعية البيئة الثقافية العامة هي التي تقرر مدى حيوية أو موات الطبقة الوسطى. ولنعترف ان عباقرة الماضي القريب وطبقتهم الوسطى عاشوا ظروفا تعليمية وثقافية أفضل. كانت العقود السابقة حتى عقد الخمسينات هي عقود عالمية الثقافة الاوروبية المتمثلة في التيارين الانجليزي والفرنسي بحكم أن العالم كان خاضعا لحكم بريطانيا وفرنسا. وعلى هذا النحو كانت الثقافة الاوروبية شعار الاجيال الصاعدة في العالم العربي. ولأن هذه الثقافة كانت هي الطابع الغالب على المناهج التعليمية من الابتدائية وحتى الجامعة وما بعد الجامعة فإن شباب المتعلمين كانوا يتقنون اما الانجليزية أو الفرنسية, فكان بالتالي انفتاحهم كاملا على الثقافتين. ولذا ما كان لطه حسين أو توفيق الحكيم مثلا أن يتفرد في النقد الادبي أو العمل الابداعي لولا أنه تشرب الثقافة الفرنسية ومدارسها وتياراتها الفكرية. وما كان للعقاد أن يكون العقاد لولا أنه تشرب الثقافة الانجليزية. وعبدالوهاب تفرد وارتقى بالموسيقى العربية بعد ان تشرب بالموسيقى الاوروبية وارتوى منها. ماذا جرى ؟ بعد ذلك؟ مع تلاشي الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية تلاشى نفوذ الثقافة الأوروبية لتفسح المجال لعالمية الثقافة الامريكية. هنا نأتي الى المفارقة.. فقد تلاشت الان الطبقة الوسطى العربية اقتصاديا وثقافيا في آن معا. فمن ناحية ادى رسوخ نظام (اقتصاد السوق الحر) الى ضرب أصحاب المؤهلات العلمية لصالح الحرفيين والسماسرة.. ومن ناحية أخرى أدى ضمور دور الدولة الى انهيار أنظمة التعليم بنفس قدر الانهيار الذي أصاب مرافق عامة أخرى كالنظام الصحي والعلاجي. وفي هذه الاثناء تتعاظم موجات الغزو الثقافي الامريكي.. وهو تيار انحطاطي تماما. ولهذا توقفت امتنا عن انجاب العبقريات. كاتب صحفي وسفير سوداني سابق*