بعد انتهاء الحروب يأتي رسم الخرائط واعادة تمثيل الادوار والمواقع على سلم المكانة الدولية, ولا معنى للنصر أو الهزيمة بدون النظر إلى تداعياتهما على المنتصر والمهزوم في اطار صعود الأمم وهبوطها, وتبلغ هذه التداعيات أحيانا حدا ينذر بحدوث انقلاب كلي في أدوار الأطراف المعنية على صعيد النظام الدولي . تبدو هذه النتائج جلية لمن يقرأ سنن العلاقات الدولية بعقل وبصيرة, ومن شأن اهمالها أثناء استطلاع تحولات النظام الدولي, الوصول إلى تشخيصات خاطئة أو على الأقل خلال الطريق إلى التوصيف الموضوعي لما يدور من تفاعلات في رحاب هذا النظام. يحدث الآن شيء من هذه الخطل في التقدير على الصعيد الغربي ولا سيما بين يدي المنشغلين بتأمل سلوك الولايات المتحدة ومحاربتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) إذ يعبر هؤلاء عن انزعاجهم من جموح واشنطن وحلفائها وغلوهم في محاولة مد سطوتهم إلى آفاق اقليمية ودولية جديدة, غير التي عهدناها لخمسين عاما خلت. ومصدر سوء التقدير هنا, المصحوب بنظرة سلبية ازاء مستقبل السياسة الأمريكية العربية هو الانطلاق في التقويم في النظرة المثالية لمرحلة مابعد الحرب الباردة في العلاقات الدولية, واغفال السنن المومأ إليها أعلاه, وتقديرنا ان هذا المنظور ينطوي على خطأ فادح,فالتحالف الغربي بزعامة واشنطن إذ خرج من معمعة الحرب الباردة منتصرا راح يطبق حرفيا ما يعنيه هذا الانتصار بالنسبة لدوره ومكانته على الصعيد العالمي, ان هذا التحالف يستهدي منذ مطلع التسعينات بنظرية قديمة ربما بدائية في محيط العلاقات الدولية. انه يقول بصريح العبارة وظاهر السلوك, بضرورة تعديل مكانته في هذا المحيط, وفقا لمخرجات الصراع الذي انتهى لصالحه بثمن كبير, فلا معنى لهزيمة المعسكرات والأيديولوجيات والتحالفات التي ناهضها غداة الحرب العالمية الثانية, بدون حصاد للنتائج, وأبرز معالم هذا الحصاد منطقيا ان يتحرك المنتصر, حلف الناتو أساسا لرسم الخرائط الاقليمية والعالمية على هواه وبما يحقق مصالحه معنويا وماديا. ولأن الولايات المتحدة, كانت في التحليل النهائي, الدولة التي تحملت القسط الأكبر من كلفة الانتصار بغطائها الاقتصادي والعسكري للناتو, فانها الطرف المعني بداهة بمهمة الحصاد واعادة رسم الخرائط, وبدون هذه العملية, ستظهر واشنطن بمظهر الطرف الساذج أوالمثالي شديد الايثار, الذي أضحى من أجل عيون الآخرين, ومن العبث بالطبع ان يظن البعض في واشنطن السذاجة أو المثالية المفرطة. نود الاشارة إلى أن محاولة الناتو بزعامة واشنطن وتوجيهها لتغيير مسار العلاقات الدولية وخرائط القوة والمكانة ومواقع الثقل في اتخاذ القرارات وتصفيف النسق العالمي عموما, وفقا لأجندة أخرى غير التي سادت منذ خمسين عاما, هذه المحاولة تتسق أولا وطبيعة التكييف الغربي للسياسة الدولية,وهي تتوخى ثانيا العمل بالقاعدة العامة التي مؤداها ان المنتصر يسعى لفرض رؤاه وارادته. السؤال اذن ليس حول تعليل السلوك الأمريكي الطامح إلى معدلات دولية تكرس الانتصار,وانما ينبغي ان يتعلق بالاضرار المتوقعة لهذا الطموح على العالم العربي وقضاياه الساخنة, وكيفية درء هذه الأضرار أو تحييدها ومعالجتها؟ ففي اطار نزعته الهجومية, وتحويل استراتيجيته الدولية, سيمد الناتو عيونه إلى الرحاب العربية,وان تحت عناوين ضبابية وتمويهية كالمتوسطية والشرق أوسطية, وهو بالفعل يسعى حثيثا لوضع المكون العربي في أعماله واستراتيجيته المقبلة موضع الفحص والتحري, وثمة أحاديث موثقة عن النوايا الأطلسية تجاه المنطقة العربية تحت دعاوى وجود أخطار معينة تهب رياحه عليه من هذه المنطقة: الارهاب المنظم, انتشار الأسلحة الصاروخية, الجريمة وتدفق المهاجرين.. من غير المفيد والحال كذلك, ان يستهلك العرب جهدا ووقتا في تفسير هذه النوايا التي من المقرر ان تتحول الى سلوك, الاجدى هو ان يبحث العرب عن افضل الآليات لادارة حوار معمق مع الذات اولا ثم مع الناتو ثانيا وبحيثية جماعية ومن الاسئلة ( الموضوعات) المرشحة لمثل هذا الحوار: ماهي الاخطار التي يتصورها (زعما او حقيقة) الناتو على أمنه من الجانب العربي؟, ماهي اولويات الناتو تجاه المنطقة؟ ماتصوراته للعلاقة مع العرب واسلوبه المقترح او المضمر للتعامل مع هذه الاولويات ( طلب قواعد, تسهيلات, تنسيق, تدخل بلا استئذان .. ؟). وفي قلب هذه الموضوعات, يجدر النظر مليا في دور اسرائيل ورؤية الناتو لهذا الدور ولسنا بحاجة الى التذكير بعلاقاتها الخاصة مع واشنطن, لكي نتصور ان اسرائيل بدورها ستسعى الى اعادة تكييف استراتيجيتها الاقليمية بما يعزز مكانتها في الخرائط الاطلسية العتيدة. ويتصل بهذه الابعاد, ما يقال عن ازاحة الامم المتحدة وتهميشها كجزء من استراتيجية, الناتو المتحولة في عصر انتصاره, فالعرب معنيون بالدفاع عن هذه المنظمة الدولية, بصفتها احدى ضمانات حراسة الشرعية الدولية التي تتعلق بها كثير من قضاياهم انهم في حقيقة الامر من القوى التي يفترض ان تنظيمات الامن الجماعي والحماية الدولية احرص على صيانة حقوقهم, في عالم يحاول الاقوياء فيه السيطرة على الضعفاء, وطالما انهم اي العرب, عجزوا عن تكوين اطر امنهم بشكل جماعي ذاتي, فلا اقل امن ابداء الغيرة والتعلق بهذه التنظيمات. وسوف يجدون من شاركهم هذا الهدف, لاسيما بين اولئك الذين يعنيهم مواجهة حالة التمدد والاستقواء التي تأخذ بمجامع الولايات المتحدة وشركائها في الناتو. وفي كل الاحوال, ليس العرب, امنهم ومستقبلهم, ببعدين عن استراتيجية الناتو التي تتحرك بجوارهم من موقع المنتصر, وهم بالتأكيد لايملكون ترف الانتظار الى ان يتغير النظام الدولي نحو التعددية القطبية ليأنسوا عندئذ الى حليف عنيد, ما يجعلهم مطالبين اليوم وليس غدا بالتدبر في التعاطي مع هذه الاستراتيجية, وكلما كان ذلك من وحي استشعار الحاجة للتحرك القومي الجماعي, كانت المحصلة ادعى للاطمئنان. كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة