في الفترة ما بين 26 أبريل وحتى الثاني من مايو شارك العديد من المهتمين في التطوير التربوي من داخل وخارج الدولة في البرنامج الناجح الذي نفذته جامعة هارفارد الأمريكية في العاصمة أبوظبي , The Senior Executive Program - Enhancing Leadership, وتهدف جامعة هارفارد خلال طرح هذا البرنامج بالتعاون مع مركز التميز في كليات التقنية العليا الى العديد من الطموحات أهمها: 1 ـ تطوير الممارسات القيادية والإدارية. 2 ـ تغيير طرائق وآليات التفكير المستخدمة. 3 ـ المساعدة في عرض وتحليل وعلاج القضايا المهمة. 4 ـ بيان أهمية بناء الرؤية والمهمة للمؤسسات. 5 ـ تطوير جودة التعليم العالي في الخليج. واحتوى البرنامج على العشرات من المحاضرات والمقالات والدراسات وتميز باستخدام طريقة عرض الحالة (The Case Study Method), حيث تم عرض حالات عملية لمؤسسات في التعليم العالي من الخليج والولايات المتحدة وأتيح للمشاركين فرصة مناقشة عوامل فشل ونجاح هذه المؤسسات. وخلال مشاركتي في هذا البرنامج خطرت لي العديد من الأفكار المرتبطة بالطرائق العلمية الناجحة لبناء الرؤية التربوية. ولثقتي الغالية برجاحة عقل من يقرأ هذا المقال قررت أن أشارككم هذا الهم التربوي المشترك والذي حمل عنوان (2020 في هارفارد) حيث سجلت خلاصة لعوامل نجاح وفشل الرؤية التربوية طويلة المدى ومن أهم هذه القضايا التي أوردها هاهنا للنقاش مايلي: ـ 1 ـ الإيجاز: الرؤية عبارة عن شعارات عامة نهدف الى انجازها خلال فترة طويلة من الزمن فهي طموحات لكنها واقعية بلغة أخرى قابلة للتحقيق, لذلك تقوم الدول بتحديد عدد بسيط جدا من هذه الطموحات ففي ماليزيا مثلا, حددت وزارة التربية (5) أهداف عامة لرؤيتهم التربوية المستقبلية لعام 2020 هي: * الديمقراطية (Democratization) والمقصود بذلك زيادة الفرص التعليمية المتاحة والتواصل مع المجتمع. * الجودة (Quality) تطوير المدخلات والعمليات التربوية. * التميز (Excellence) تطوير مخرجات التعليم. * الفعالية (Efficiency) ضمان انتقال نسبة عالية من الطلبة عبر المراحل والاستخدام الأمثل للموارد وترشيد الإنفاق. * العدالة (Equity) المراقبة والتأكد من التوزيع الديمقراطي للفرص التعليمية المتاحة والموارد والانجازات فرص النجاح. فإذا لا توجد تفاصيل دقيقة في الرؤية بل هي قواعد عامة للعملية التعليمية المستقبلية. ومازلت أذكر عندما كنت طالبا في الولايات المتحدة, تاريخ 18 ابريل 1991م, عندما اعلن الرئيس الامريكي ــ وقتها ـ جورج بوش عن أمريكا 2000 استراتيجية التعليم, حيث حدد 6 أهداف فقط يراد الوصول لها بعد عشر سنوات حيث جمع الرئيس بوش عام 1990 حكام الولايات المتحدة للاتفاق على هذه المبادىء قبل إعلانها. في تلك الرؤية تم الاعلان عن حقيقة أن الأمة الامريكية تنفق على التعليم أكثر مما تصرف على الدفاع! وتتكون الاستراتيجية التنفيذية من 4 مسارات تتحقق من خلالها الأهداف العامة الستة, ولنجاح التنفيذ ورغم عدم مركزية التعليم في الولايات المتحدة إلا أن الرئيس عرض الأمر على الكونجرس الامريكي لإصدار قانون الامتياز التعليمي لامريكا 2000, وحدد 690 مليون دولار أمريكي لتصميم برامج الاستراتيجية في ميزانية 1992م. بالاضافة الى 150 ـ 200 مليون دولار تجمع من رجال الاعمال يضاف الى ذلك مساهمة الحكومات المحلية. 2ــ المعلوماتية: لكي نبني رؤية تعليمية واضحة ودقيقة للمستقبل لابد من توفير المعلومات الصحيحة الدقيقة اللازمة, فالخلل في المعلومات يؤدي الى خطأ في التوقع والتخطيط. ان كثيرا من الفشل في الرؤى التي تعدها المؤسسات يعود في الاصل الى عدم قيامها على معلومات دقيقة أو مناسبة للتخطيط الاستراتيجي, لذلك فإن العديد من المؤسسات اليوم قبل ان تفكر باعداد رؤاها فإنها تفكر بانشاء (وحدة للدراسات المؤسسية) تهدف منها الى جمع المعلومات المطلوبة والمناسبة للتخطيط. فالمعلومات مهمة لتحديد الموارد المالية والامكانات والاحصاءات اللازمة لمعرفة أين نقف بدقة وما نتوقعه غدا. ان التشخيص العلمي الدقيق للواقع يقتضي البدء بمعلومات دقيقة, والتي على أساسها نستطيع ان نتجه الى المستقبل بوضوح. ان التخطيط المسؤول والناجح لا يمكن بأي حال من الاحوال ان يستغني عن وحدة المعلومات التي توجه بصورة دقيقة تخدم غرض التخطيط الاستراتيجي. فمثلا لو كان الاحصاء لدي يخبرني ان عدد من يتخرج من كلية التربية سنويا هو 500 معلم وبناء على ذلك حدد مستقبل التوطين ولكن بعد ذلك تبين لي ان صفرا قد أضيف الى الرقم لا شك ان النتائج ستنقلب رأسا على عقب. 3ــ البعد عن التفاصيل: مما يميز الرؤية عدم وجود التفاصيل الدقيقة, فالمستقبل البعيد 20 سنة, مثلا لا يمكن ان نحدده بدقة, فمثلا لو قلت في الرؤية انه بحلول عام 2010 سيتعامل الطالب مع القرص المدمج (CD) بدلا من الكتاب أكون قد حددت أمرا لا يمكن التنبؤ به, فالحاسبات الآلية تتطور بسرعة ولا يمكن تخيلها, فماذا سيحصل للرؤية لو تم الاستغناء عن هذه الاقراص المدمجة. 4ــ الجماعية: تمثل الرؤية مستقبل أمة من الامم أو أجيال من البشر, لذلك لابد من مشاركة مختلف القطاعات في بناء الرؤية المناسبة, فجامعة فرجينيا في الولايات المتحدة وهي من الجامعات الامريكية العريقة, والتي أسست سنة 1820 تحاول حاليا بناء رؤيتها الخاصة 2020 شكلت لذلك لجنة خاصة مكونة مما يقارب من 80 شخصا, وهؤلاء يفكرون لمستقبل جامعة واحدة فماذا هو موقفهم لو فكروا لاعادة بناء التعليم في الأمة الامريكية؟. الجماعة في التخطيط تعني النجاح في التنفيذ لأنه من يحلم وحده يتعثر في الواقع, ومن يشارك الناس همه يتحقق حلمه, فالتربية ليست قيادة فقط, بل هي قاعدة عريضة من المدراء والمعلمين والطلاب وأولياء الامور وأرباب المهن والعلماء المتخصصين. 5ــ الزمن: لنجاح الانسان في رؤيته لابد ان نترك لذلك زمنا مناسبا لجمع المعلومات وتصنيفها لتحديد المهم والأهم ومن ثم مشاركة الآخرين, فمن المعروف ان العملية التربوية استثمار بعيد المدى وبناء عميق الجذور, لذلك فإن الاستعجال في بناء وتخطيط الرؤية أول علامات تعثرها, فجامعة فرجينيا سابقة الذكر احتاجت الى ما يعادل السنتين لبناء وتخطيط الرؤية المستقبلية لها. 6ـ الارتباط بالبشر والمال: من علامات نجاح الرؤية التواصل مع البشر, فلابد ان يدرك جميع من هم في الميدان مغازي وأبعاد الرؤية ولا ينبغي ان نبخس في ادراج أو أفكار القيادة فقط, لذلك تحرص المؤسسات التربوية الحديثة الى فتح القنوات المختلفة مع أعضاء المؤسسات لمناقشة الرؤية, فوسائل الاعلام والبريد الالكتروني والاجتماعات العامة وغير ذلك من الآليات مهمة للتواصل مع الآخرين والاستماع اليهم. ومع أهمية الارتباط بالبشر تبرز أهمية تنسيق الرؤية مع الامكانات المادية, فالعديد من مشاريع التطوير تحطمت أمام صخرة المال, وعندما ناقشنا خطة احدى الجامعات الامريكية عرض علينا شريط فيديو يقول رئيس الجامعة ومساعده انهم لو اتيحت لهم فرصة بناء رؤية جديدة للجامعة لحرصوا على مزيد من التواصل مع البشر ولربطوا هذه الخطط بالميزانية. 7ــ الخطة التنفيذية: بعد ان تنتهي المؤسسة من تحديد رؤيتها المستقبلية طويلة المدى تقوم بتحويل هذه القواعد العامة إلى أهداف أكثر تحديدا ومبرمجة مع زمن التنفيذ حسب أولويات المؤسسة, وتحدد لذلك معايير للأداء (Key Performance Indicatores - KPIs يستطيع الانسان خلال هذه المحكات تحديد جودة الانجاز والتقدم نحو تحقيق الحلم أو الرؤية. وينبغي كذلك ان تحدد في هذا البرنامج بعض الامور العاجلة التي لابد من انجازها لكي يشعر الميدان بنجاح هذه الرؤية (Wins Creating Short - Term فلا أستطيع ان أحدث الطالب عن بيئة جديدة رائعة, وهو يشرب الماء الملون من البراد, أو يعاني من المكيف الذي يملأ الصف بالصوت بدلا من الهواء البارد, ولن أنجح في اقناع مدير المدرسة بدوره الجديد وهو لايزال يعاني من مركزية اتخاذ القرار, والمعلم لن يتطور أداؤه قبل ان نطور علاقتنا به, إذن هناك أمور لابد من انجازها سريعا لكي يقنع الناس بالرؤية ويساهموا في نجاحها. وأشكر في نهاية المقال من أتاح لي فرصة المشاركة في برنامج جامعة هارفارد الذي تعلمت منه الكثير, كما أخص بالشكر الدكتور (Cliff Baden) والدكتور (Tom Cassidy) اللذين زوداني بالعديد من المراجع بعد الانتهاء من البرنامج. كانت تلك دروسا تعلمتها من هارفارد وأردت ان اشارك القارىء الكريم التفكير فيها لما لذلك من فائدة مرجوة للتربية والتعليم في وطننا الغالي. E - Mail: K.Suwaidi@uaeu.ac.ae وكيل كلية التربية