بعد أسبوع من صدور مرسوم بحل مجلس الأمة الكويتي الثاني بعد التحرير وهدوء النفس قليلا, لابد من المراجعة والتفكير في الاجابة عن سؤال لماذا تم الحل بهذه الصورة في هذا التوقيت ؟, حيث كانت الحكمة السائدة تقول انه لا يتوقع الحل مهما كانت الأزمة بين المجلس والحكومة مستعصية! وفي وقت هو أقرب إلى انتهاء دور الانعقاد, خاصة وقد قارب الفصل التشريعي برمته على نهايته. ساد الحديث العاطفي وربما السياسي في تفسير الأسباب التي أدت إلى حل المجلس, وجاءت بعض التصريحات متابعة لتغيب المنطق الذي ساد ــ مع الأسف ــ في الفترة الأخيرة فمن قائل ان الحكومة قد (أوعزت) للسيد العضو السابق عباس الخضاري لتقديم هذا الاستجواب حول خطأ وقع في طباعة المصحف الشريف من أجل تحقيق أزمة, ومن ثم (حل المجلس) ولا يوجد أي دليل واقعي على ذلك عدا الغوص في النيات, كما ان العاقل يرى انه إذا كان القول السابق صحيحا, فلماذا ينجر العقلاء من البداية خلفه؟! ومن جهة أخرى, كان البعض يعتقد ان (الحل) غير ممكن حتى بصورته الدستورية لأسباب تتعلق بالوضع العالمي, وليس بالضرورة الوضع الداخلي في الكويت, وتبين في نهاية المطاف ان الاتكاء على مثل هذه الافتراضات غير صحيح, وكان هناك الكثير من التفسيرات التي لا يقوم عليها دليل منطقي. لذلك لابد من البحث العقلي عن الأسباب الحقيقية, ليس من أجل معرفتها فقط, ولكن من أجل الاجابة عن سؤال مهم يتعلق بالمستقبل وهو: هل يمكن تجاوزا مثل هذه الأسباب في المستقبل؟ أم ان ذلك من الصعب تجاوزه؟ أرجح أن الأسباب هي هيكلية وليست شخصية أو ذاتية, وأجتهد بالقول ان القضية ليست في الأشخاص, فأي مراقب منصف يعرف ان المجلس الذي حل كان به من الرجال القادرين على الفهم للأوضاع العامة والذين يتمتعون بالثقة وبعد النظر مما كان يؤهلهم لتفادي المزالق السياسية الخطيرة التي أوقفت المتابعين ــ في أكثر من مرة خلال الثلاث سنوات الماضية ــ محبوسة أنفاسهم ينتظرون الفرج. الأسباب الهيكلية كثيرة, منها ما هو خاص بالمجلس ومنها ما هو خاص بآلية العمل الحكومي, فلم يكن هناك تكتل سياسي في المجلس له برنامج يريد أن يحققه للناس, ولم تكن هناك حتى جبهة متماسكة, كان هناك أفراد لا يستطيعون ــ حسب المعطيات الموضوعية ــ أن يقدموا هذا البرنامج المطلوب حتى لو أرادوا, ولم تكن هناك أكثرية أو أقلية ــ حتى تكتيكية ــ تستطيع أن تبحر ببرنامج سياسي تقدمه للمجلس وتصل به إلى بر الأمان, كان هناك على الدوام اجتهاد شخصي من جهة واستعطاف شعبي من جهة أخرى, أي ان الفرد العضو ينظر إلى الأمور المطروحة من زاوية المكاسب الشعبية, وله في ذلك بعض العذر, لانه في النهاية سوف يواجه برأي غير منظم وربما غير علمي في (الديوانية) مساء, فلا بد والأمر كذلك أن ترجح كفة الآنية والشعبوية وربما الارتجالية في بسط الأمور العامة, وتقديم الآني والمؤقت ربما على حساب الدائم والجوهري. ولم يكن ــ من جانب آخر ــ للحكومة كأفراد القدرة على مقاومة (التهديد أو الاغراء) من جانب بعض الأعضاء للحصول من جهة على رضاء مصطنع ومؤقت للوزير المعني, وعلى مكاسب للعضو ربما ليست شخصية بقدر ما هي انتخابية (توظيف وتسهيل مهمات لناخبين) , فأصبح الأفراد أمام الأفراد (أعضاء الحكومة وأعضاء المجلس) وليس البرامج بصدد البرامج, وتعطلت مصالح كثيرة فأصبحت الدولة في تعطل قسري عن الاهتمام بالمهم والأساسي للاهتمام بالفرعي والشكلي, حيث الاهتمام بمصالح الأفراد ليس هو بالضبط الاهتمام بمصالح الوطن, لان الأفراد والجماعات بالضرورة لهم مصالح متناقضة, فليس مجموع هذه المصالح المتناقضة هي مصالح الوطن. الأمثلة كثيرة ولكني سوف أضرب مثالا مقارنا فقط لإيضاح الصورة, فلقد أصبح من الممارسات السياسية المقبولة تصغير المقدس ومساواته بالسياسي, والمقارنة التي أقدمها هنا مع بلد كبير, قد تختلف ظروفه الموضوعية ولكن لاشك في اسلامه وهو الجمهورية الاسلامية الايرانية, ففي الأسبوع نفسه الذي شهد فيه وزير الأوقاف الكويتي الاستجواب المشهود, شهد عطاء الله مهاجراني وزير الثقافة والإرشاد الاسلامي استجوابا من المحافظين في البرلمان الايراني الذين اتهموه بـ (الإساءة الى المقدسات الاسلامية واشاعة الفساد والانحلال الخلقي ومعاداة الدين والدعوة إلى فصل الدين عن السياسة) .. إلى آخر ذلك من قائمة طويلة لا تزيح وزيرا في الجمهورية الايرانية من منصبه فقط, بل تقدم رأسه الى المقصلة ايضا في أي مكان آخر! ومع ذلك وبعد ست ساعات من النقاش حصل مهاجراني على الثقة بأغلبية صغيرة ولكنها نافذة, وبقي في منصبه, ولقد لفت نظري ما طرحه مهاجراني وما طرحه أحد الأخوة الأعضاء السابقين في المجلس بالنص, فقد قال مهاجراني مدافعا عن نفسه (ان كلمة الوزارة مشتقة من الوزر وهو العبء الثقيل) ولقد قال النائب السابق ما نصه (كلمة وزير أتت من تحمل الوزر وعلى الوزير أن يتحمل وزر وزارته) ! وياله من توارد خواطر وبنتائج مختلفة كليا! ولكن الفرق الجوهري ــ ورغم ضغط العامة المتوقع في الشارع السياسي الايراني ــ ان وجود التيار السياسي المتماسك نسبيا قد حمى الأكثرية من الوقوع في شباك الشعبوية, على عكس ما حدث في الكويت, فبمجرد ظهور احتمال اسقاط الوزير تسابق الكثيرون لنيل جائزة شعبية في المشاركة, وكأنها كرة ثلج تكبر كلما تدحرجت, عدا فئة قليلة تعرف تماماً قدرتها وموقعها في الخارطة السياسية. الفكرة ان البعض يرمي لتصغير المقدس وجلبه لساحة السياسي من أجل تحقيق نتائج سياسية أضرت بالمقدس ولم تكبر السياسي, وعندما يتجاوز الأمر حدودا معقولة يضر بالمجتمع ككل, تصغير المقدس أصبح ظاهرة سياسية في الكويت يقفز اليها الكثيرون ربما دون وعي بأضرارها, وهي في رأيهم تجلب الشعبية وربما الأصوات الانتخابية, في الوقت الذي يهمل فيه العمل الجماعي للاصلاح وتسريع القوانين النافعة. والسؤال الأهم هو: هل بالامكان توقع ممارسات افضل في المستقبل؟ أم ان المصاعب الهيكلية التي أشرنا اليها ستظل عالقة وقد تتغير المظاهر ولا تتغير المخابر؟ ذلك جائز, بل ومحتمل, واحتمال التغيير في الأداء وارد ولكنه صعب بسبب ان الأكثرية تروم عدم مواجهة القرارات الصعبة لأنها غير شعبية في بلد يعاني اقتصاده من أزمة, ويعاني أمنه السياسي من تهديد حقيقي, ولن يتم ذلك الا بمراجعة جذرية للآليات المتبعة. في موضوع الأمن الخارجي للكويت الذي يقلل من شأنه البعض أريد أن أشير الى مذكرات طالب شبيب (وهو للجيل الجديد كان وزيرا للخارجية العراقية بعد انقلاب الثامن من فبراير البعثي سنة 1963 على عبد الكريم قاسم) يقول في هذه المذكرات والتي هي بعنوان (من حوار المفاهيم الى حوار الدم) ان الانقلابيين عندما ظفروا بعبد الكريم قاسم بعد يومين من المقاومة وكانوا يسرعون في اعدامه تبادلوا معه بضع كلمات أولها حوار سريع بينه وبين عبد السلام عارف لأن الأخير كان يهمه ان يظفر باعتراف من المقبوض عليه بدوره في ثورة الرابع عشر من يوليو ,1958 أما الحوار الثاني الذي تم فقد نقله الشبيب كما يلي (وما ان اضطر عبد السلام الى السكوت حتى انهالت على قاسم أسئلة كثيرة مثل: لماذا أعلنت ضم الكويت دون تنفيذ الأمر أو الاستعداد العملي له؟ ولماا لم تستعد القوات وتتحرك فعليا لاحتلالها واكتفيت فقط بالانذار, في حين أمرت القوات بأن تأخذ مواقع دفاعية؟! وبينما كان الوقت قصيرا بين الانقلابيين وبين قاسم الكثير من الدم والثأر فانهم تركوا ذلك لسؤاله عن الكويت, وبعد أقل من ثلاثة عقود قام ورثة المحققين أولئك باحتلال الكويت, فالأمر جد حقيقي وجد قائم, ولا يرى عاقل خيرا في التقليل من جدية التفكير به والاستعداد له ما دام هذا الفكر قائما في بغداد. الوعي بأهمية الديمقراطية في الكويت هو وعي ينبغي أن يكون له جانبان الأول التضحية بالشعبوية في سبيل ترجيح المصالح العامة, وبالفردية في سبيل الانجاز المتقن, وان لم يكن هذا الوعي موجودا فإن كل الجهود لن تصل الى بر الأمان. لقد مر وقت طويل على التجربة الديمقراطية في الكويت, كما مر وقت معقول على خبرة الكويتيين بأفظع جريمة مرت على وطنهم وهي الاحتلال العراقي, وان لم تعطنا جميعا دروسا حاسمة وواضحة, فإن احتمال تكرار دوران العجلة دورتها القديمة وارد. لذا, فان المطلوب في تقديري من أهل الرأي ان يدلوا بآرائهم حول تجويد التجربة والبحث عن المشكلات المفصلية التي تقودنا كمجتمع الى تكرار التجارب السلبية لتجنبها قبل التسابق على حشو أوراق الترشيح.