خصلتان تعيبان الزعيم السياسي ــ أي زعيم سياسي: الخيانة وفساد الذمة. والصادق المهدي برىء من كليهما . لقد ظل يمارس العمل السياسي لمدى 40 عاماً حتى الان.. ولم يستطع احد, حتى ألد خصومه, ان يتهمه بعمالة او فساد مالي. ومع ذلك فانه تنقصه صفة من صفات الزعامة الوطنية الرصينة: الحسم. قال عنه قريبه وصديقه الاديب الفلسفي الراحل اسحق محمد الخليفة شريف: (ان الصادق ليس حاسم الارادة.. ولا يحسن اتخاذ القرار ولا اختيار الرجال) ! ولذا فان حياة الصادق السياسية ما هي الا مسلسل متصل الحلقات من التردد والتناقض وهما تردد وتناقض ناتجان عن التركيبة المتناقضة لشخصيته, فهو سلطوي طائفي من حيث النشأة لكنه في الوقت نفسه مثقف عصري من الطراز الاول. والتأرجح ما بين هذه وتلك هو ما ينتج عنه التردد دائما والتناقض احياناً. في عهد الديمقراطية الثانية (1965 ـ 1969) حين كانت الحكومة ائتلافا بين (حزب الامة) والحزب الوطني الاتحادي) ـ (الاتحادي الديمقراطي) لاحقا ــ كان الصادق المهدي على رأس المعترضين على محاكمة قادة (نظام 17 نوفمبر) الحكم العسكري الانقلابي الذي اطاحت به (انتفاضة اكتوبر) الشعبية التي مهدت لقيام الديمقراطية الثانية. كان موقف الصادق على هذا النحو مستغربا لان (حزب الامة) تحت زعامة الصديق المهدي والد الصادق رحمه الله كان يتقدم المعارضة ضد (نظام 17 نوفمبر) بعنفوان وشراسة بلغت مستوى التصادم الدموي. ولذا توقع الناس ان يكون الصادق اشد المتحمسين لمحاكمة قادة ذلك النظام اقتداء بوالده الذي رحل قبل نهاية عمر النظام العسكري. لكن الصادق, اذ كان مقتنعا بضرورة تقديم رموز 17 نوفمبر الى المحاكمة فانه كان يخشى ان تتلوث سمعة جده, عميد اسرة آل المهدي الاكبر عبد الرحمن المهدي. فهو الذي اوعز الى قادة الجيش تسلم السلطة من النظام الحربي عند اواخر عام 1958. فعل عبد الرحمن رحمه الله ذلك حتى من وراء ظهر ابنه الصديق الذي كان آنذاك رئيسا لحزب الامة. وخشى الصادق ان يكون بتجريم القادة الانقلابيين في محاكمة قضائية تجريما بنفس القدر لعميد آل المهدي. وهكذا تغلب الارث الطائفي في شخص الصادق المهدي على مثله العليا الديمقراطية كمثقف عصري عاش حياته الطلابية كطالب نشط في رحاب جامعة أكسفورد البريطانية. وعلى هذا المنوال المتأرجح مضت حياة الصادق المهدي السياسية صراعا داخليا بين نشأة ارستقراطية في بيئة طائفية تتوسطها اسرة متميزة لا تستطيع ان تستغني عن السلطة لحماية مصالحها التجارية ورؤية ثقافية عصرية قوامها الفلسفة الديمقراطية الليبرالية على طراز (وستمنستر) ومثالياتها. في نفس العام الذي عادت فيه الديمقراطية الحزبية في منتصف الستينات جرى حظر (الحزب الشيوعي السوداني) وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان, كان هذا ايضا امتحانا مريرا للصادق وثنائيته الفكرية, فالمحافظة على بقاء الائتلاف السلطوي بين (حزب الامة) و(الحزب الوطني الاتحادي) , كانت تتطلب منه الانصياع لرغبة الزعيم الحليف اسماعيل الازهري رحمه الله الذي كان يتصدر الحملة العدائية ضد الحزب الشيوعي بينما مبادىء ومثاليات الديمقراطية التعددية كانت تتطلب منه معارضة حظر حزب نال قسما من ثقة الناخبين بغض النظر عن هويته. وكما حصل فان تأرجح الصادق انتهى به إلى الانحياز إلى شريك السلطة, بل وابتداع مبررات لحظر ذلك الحزب اليساري. كلمة اخيرة: ان السودان لايزال بحاجة إلى الصادق المهدي رغم ثنائيته وتناقض فكره يكفي انه وطني خالص نظيف اليد. كاتب صحفي وسفير سوداني سابق