في حديث قدسي يخاطب الله تعالى عبده ونبيه عيسى عليه السلام:ياعيسى , عظ نفسك بحكمتي, فان اتعظت فعظ الناس, وإلا فاستحِ مني . ويبدو لي ان السيد الصادق المهدي سارع إلى وعظ مساعديه المقربين عن مزالق وسلبيات ومآزق ممارسة العمل السياسي المعارض في كنف قوة خارجية دون ان يستوثق من انه سبقهم أولا إلى استيعاب الموعظة بنفسه, والدليل هو انه سمح لنفسه ان يقع في نفس التجربة مرة أخرى. ان القاعدة العامة هي ان الزعيم المعارض الذي يلجأ إلى دولة خارجية يمارس نشاطا معارضا من هناك ضد النظام الحاكم في وطنه يجد نفسه تلقائيا رهينا للسياسات والأجندة الخارجية لتلك الدولة المضيفة, وعلى هذا الأساس فانه يجد نفسه مضطرا بحكم الضرورة الحتمية والعملية إلى المساومة على ثوابته ومبادئه وأهدافه الاستراتيجية حتى تتلاءم مع سياسات وأجندة وأهداف الدولة التي توفر له دعما وحماية. والسؤال إذن هو: هل اضطر الصادق المهدي فعلا إلى المساومة على ثوابته أو بعض منها تجاه كل من مصر واريتريا نظير السماح له بممارسة نشاطه المعارض ضد النظام السوداني الحاكم؟ أنا شخصيا أقول نعم, وأحدد مسألتين: أولا, الاستراتيجية التقليدية لحزب الأمة, الذراع السياسية لطائفة (الأنصار) تجاه مصر, وثانيا: المنهج الايديولوجي لحزب الأمة الذي يطلق عليه الصادق المهدي (الصحوة الاسلامية) سمح الصادق المهدي لنفسه بالمساومة على هذين الثابتين حتى تلاشيا تقريبا. منذ ماقبل استقلال السودان في منتصف الخمسينات وبعد ذلك ظلت الاستراتيجية الثابتة لحزب الأمة تجاه مصر في مختلف عهودها المتعاقبة هي مقاومة الوصاية التقليدية التي ظلت تمارسها مصر على السودان, وهي وصاية قائمة على فرضيات, على رأسها ان السودان اقليم تابع لمصر, لا يجوز له التعامل الحر مع العالم إلا عبر القاهرة, وهي فرضية ظلت منطلقا للسياسات المصرية تجاه السودان منذ عهد محمد علي باشا, ولم تتغير, ولذا فان قسما كبيرا من السودانيين ظل لمدى أجيال متعاقبة يشارك حزب الأمة في قناعته. كانت هذه هي قناعات حزب الأمة إلى ان فقد السلطة بعد ان أطاح انقلاب يونيو 89 بالنظام الحزبي في السودان. وبانتقال الصادق المهدي إلى الخارج كمعارض ينشد الاستعانة بالقاهرة ( مع الاستعانة بأسمرا أيضا) بدأ الانزلاق على طريق المساومة على الثوابت, والآن فان الصادق المهدي يتعامل مع مصر كحليف استراتيجي للشعب السوداني, وعلى هذا الاساس فانه يجد نفسه مضطرا للالتزام عمليا وواقعيا بتوجهات السياسة الخارجية الرسمية لمصر تجاه السودان, وإلى تبني معطيات ومسارات هذه السياسة بتناقضها مع رؤيته التقليدية للقاهرة كزعيم لأكبر قوة سياسية سودانية كانت تتبنى الاستقلالية والندية تجاه الجار الشمالي. أما طريق أسمرا فانه أفضى بالصادق المهدي الزعيم الإسلامي الذي كان يرى في النموذج الاسلامي الايراني مثلا يجب ان يحتذى إلى متاهات الفكر العلماني حتى يتلاقى مع حركة قرنق غير الاسلامية من ناحية, ومع التوجه الايديولوجي الاريتري من ناحية أخرى,وهكذا اضطر إلى اسقاط برنامج (الصحوة الاسلامية) . ويبقى سؤال أخير: هل هذه مجرد تنازلات (تكتيكية وقتية أم ان الأمر يتعلق بالتركيبة الشخصية للصادق المهدي؟