في عام 1961 طلب المهندس عثمان احمد عثمان رئيس مجلس ادارة شركة المقاولون العرب, التي كانت تقوم بالاعمال الانشائية الخاصة , ببناء جسم السد العالي, مقابلة المشير عبدالحكيم عامر ــ نائب رئيس الجمهورية ــ الذي كان الاشراف على تنفيذ المشروع, ضمن مهامه السياسية الكثيرة آنذاك, ليعترض على اقتراح تقدم به وزير السد العالي, المهندس (موسى عرفة) بتمديد الفترة اللازمة لتنفيذ المرحلة الاولى منه, بحيث تنتهي عام 1966... وقال (عثمان) للمشير, إن العقبات التي تواجه التنفيذ, وتبطىء من ايقاعه, وتوحي للوزير بطلب التمديد, يمكن التغلب عليها ببساطة, لو ان الدولة وفرت له ما يوازي نصف مليون جنيه من العملات الاجنبية, ليشتري بها من السوق العالمية معدات متطورة للحفر والنقل, اكثر كفاءة من تلك التي كان يجري بها العمل حتى ذلك الحين, بما يؤدي الى تسريع الايقاع فيتم التنفيذ في الموعد المحدد, وبذلك توفر الدولة, مقابل هذا النصف مليون, اكثر من مائتي مليون جنيه, ستضيع في حالة التمديد... واقتنع المشير (عامر) برأي (عثمان) , واتصل بوزير الاقتصاد وطلب منه ان يصرف له العملات الصعبة, التي يحتاجها, وان ييسر له اجراءات استيراد مايريد استيراده, وقال له مداعباً: ايه رأيك نعينك وزير للسد العالي؟! وقال عثمان: يا سيادة المشير, انا لا انفعكم, ولا انفع مصر الا كمقاول! ومن سوء الحظ, ان (عثمان احمد عثمان) ــ الذي غادر دنيانا الاسبوع الماضي ــ عدل عن هذا التقييم المنصف لنفسه, وللآخرين فيما تلا ذلك من سنوات ولو انه تمسك به, لما ترك ما يتقنه, إلى مالايعرف فيه, ولما خاض عباب السياسة, وزيرا ونائبا لرئيس الوزراء وقطبا من اقطاب الحزب الحاكم ــ ليصبح ــ في السنوات الاخيرة من حكم الرئيس السادات ــ أقرب الناس الى قلبه ــ واكثرهم تأثيرا فيه, وأقواهم نفوذا في بلاطه على نحو استثار ضيق كثيرين ممن كانوا يحيطون بالرئيس, ليس فقط لان عثمان استأثر لنفسه, بالمكانة الاولى في البلاط, ولكن ــ كذلك ــ لانهم كانوا يعتقدون ــ عن حق ــ ان تأثيره عليه كان تأثيرا سلبيا, وان ما كان يقنعه به من آراء في السياسة العامة, كان يفتقد للحصافة, او على الاقل يصدر عن رجل لا خبرة له بهذه الامور, ولا علم له بها, فهو قد يكون مقاولا عظيما, ولكن تفكيره السياسي لم يكن يزيد على تفكير عوام الناس, وفضلا عن هذا فقد كان نفوذ (عثمان) الكبير في بلاط السادات, من الامور التي اثارت الريب حول نزاهة الحكم, حتى شاع مصطلح (الدولة العثمانية) على السنة الناس في تلك السنوات تعبيرا عن الشك في ان الصلة القوية بين الرجلين, تخفي في ثناياها, نوعا من التربح من المال العام, وهي كلها اقاويل, لم تثبت بعد ذلك صحتها؟ ولا أحد يستطيع ان ينكر ان عثمان احمد عثمان هو احد البنائين العرب العظام في تاريخ هذا القرن, فالشواهد على ذلك قائمة لا حصر لها, ولا يجوز انكارها, والمشهور منها, مثل بناء السد العالي, وبناء قواعد للصواريخ في جبهة قناة السويس اثناء حرب الاستنزاف, لا يقل اهمية عن غير المشهور ومنه طرق ومطارات وجسور وترع وانفاق ودشم للطائرات ومصانع ومساجد ومستشفيات وبنوك ومؤسسات حكومية, وهي لا تقتصر على مصر وحدها, بل تنتشر في معظم انحاء الوطن العربي وفي بعض البلدان الافريقية, فقد ظل الرجل لمدة نصف قرن على الاقل, يحول الاطلال الى مبان, ويشق الطرق في الصخور, ويصل الصحراء بالعمار كلما وجد الى ذلك سبيلا... وفضلاًَ عن ذلك فإن عثمان احمد عثمان ينتمي لنمط اجتماعي عربي, يوشك ان ينقرض, هو (العصامي) الذي يصعد من اسفل السلم الاجتماعي الى قمته, بالعمل والمجهود. فقد كان ابوه بقالا متوسط الحال, مات وهو في الرابعة, ولم يترك له هو واشقاؤه الثلاثة وشقيقتان, سوى محل صغير للبقالة, مالبث ان افلس, فواجهوا معركة الحياة ببسالة, بقيادة ام قوية الارادة, تنتمي الى ذلك الجيل من الامهات الذي يعطي حياته, بلا اي تردد, لكي يحمي ابناءه من غوائل الزمن, وبتضحية اخيهم الاكبر الذي ترك دراسته لكي يشارك امه رعاية الصغار, حتى نجحوا جميعا, واصبح اصغرهم, الذي اضطر عندما التحق بكلية الهندسة في نهاية الثلاثينات, لان يقدم (شهادة فقر) حتى يمكن اعفاؤه من الرسوم الجامعية, مليارديرا. والشيء المهم ان عثمان احمد عثمان قد صنع ذلك كله بالعمل لا بالحظ وبالجهد لا بالسرقة, وبالاتقان لا بالفهلوة, اما الاهم منه, فهو انه كان من ذلك النوع الذي يعبد العمل, ولا يجد متعته الا فيه, ولا يسعد الا بالمال الذي يتعب في جمعه, وانه كان حريصا على ان يشرف بنفسه على اعماله, وان يطمئن بنفسه, على انها قد نفذت بذمة وضمير وبما يرضي الله ويوافق اصول الصنعة. وكان من سوء حظه وحظنا, ان قيمة العمل ومكانة المجهود, قد اخذت تتدهور بشكل مريع, فاختفى العصاميون الافذاذ الذين صنعهم العمل من نوع (عثمان) ليتقدم الشطار الذين كونوا خلال سنوات قليلة, ثروات تبلغ اضعاف ثروته التي كونها بعمر من العمل والاتقان, وساهم هو بنفسه في صنع بعضهم, وفي خلق المناخ الذي صنع الآخرين, لانه ترك ما يتقنه الى ما لا يعرف فيه, فتحول من مقاول الى وزير, ومن (اسطى) الى (مستشار سياسي للرئيس) من دون ان يتنبه الى ان سلم القيم قد اختل, وان قيما مثل العمل والمجهود والاتقان قد انحط شأنها, فكانت النتيجة ان فعلوا الذي لم يفعله طوال عمره, فانشأوا عمائر تنهار على رؤوس ساكنيها, واقاموا مدارس تتشقق جدرانها بمجرد بدء العمل فيها, ووردوا اغذية فاسدة, ونهبوا اموال البنوك, واشاعوا فسادا يتحمل (عثمان) معظم وزره حتى لو لم يكن قد شارك فيه, ومن المعروف انه هو الذي اقترح على السادات الغاء جهاز الرقابة الادارية الذي كان منوطا به, تعقب اشكال الانحراف والفساد في اجهزة الدولة. ولم يكشف احد حتى الآن سر العلاقة الحميمة التي جمعت بين المقاول والرئيس, اذ لم يكن (السادات) ــ خلال السنوات الاخيرة من عمره ــ يطيق فراق عثمان فإذا اختفى من مجلسه سأل عنه بالحاح وقلق, شأن من يشعر بأن شيئاً منه ينقصه. ويقول موسى صبري ــ الذي كان قريبا من البلاط آنذاك ــ ان عثمان وصل الى قلب الرئيس لانه (ابن بلد) لا يتكلف الكلام المنمق, بل يتحدث بتلقائية وبساطة ويبدي للرئيس آراءه من وجهة نظره بلا تكلف, وانه اقنعه بأنه رجل عملي, قادر على الانجاز, ومعنى ذلك ان (عثمان) كان يعاتب الجانب السطحي في شخصية السادات الذي لم تكن له طاقة على دراسة الامور, او التعمق في التفاصيل وكان يكره القراءة, ويعتقد ان عبدالناصر مات قبل الأوان, لانه كان يكثر من التفكير والقراءة... اما الذي فات عليه فهو ان السياسة تخطيط يقوم به المهندسون لا المنفذون, وان موهبة عثمان الاساسية, كمقاول, هي ان ينفذ لا ان يصمم! ويلاحظ احمد بهاء الدين ان السادات كان ينظر الى عثمان كأنه عثر على توأمه وشقيق روحه, وان العلاقة بينهما توثقت لتشابه او تكامل نفسيهما وهي ملاحظة تلفت النظر, لان اختيارات الرجلين ــ اللذين كانا ينتميان لنفس الجيل ولنفس الطبقة ــ كانت قد اختلفت منذ البداية, فاتجه عثمان للمقاولات واتجه السادات نحو النضال الوطني, ليخوض عبابه ويكتوي بنيرانه, فيفصل ويسجن ويتشرد ويعرى ويجوع, ومع انه اشتغل خلال فترة التشرد مقاولا وحقق بعض النجاح, الا انه فضل ان يعود الى الجيش ليواصل نضاله من داخله, ويشترك بعد ذلك في قيادة ثورة يوليو, فهل اكتشف السادات في كهولته, انه اخطأ حين اصبح ثائراً ولم يواصل السير في طريق المقاولات, وآمن بأن المقاولين ينفذون مايعجز الثوار عن تنفيذه من احلامهم, وهل اكتشف عثمان انه اخطأ حين لم يسمع هو وامثاله من المقاولين للحكم, مع انهم ينفذون اكثر مما يتكلمون... بل دون ان يتكلموا؟ الغالب ان ذلك هو ما حدث! وتكشف مذكرات عثمان الشهيرة, التي نشرها قبل شهور من مصرع السادات عن الرغبة التي ناوشت الرجلين, في تبادل الادوار, بأن يصبح الرئيس مقاولا, والمقاول رئيسا, فلم يجدا لها حلا الا بهذا التكامل بين شخصيتيهما, والغالب ان عثمان كتبها بتحريض غير مباشر من السادات وانه اخذ على عاتقه (مقاولة) الاساءة الى سمعة عبدالناصر وهي احدى رغبات السادات الدفينة التي كانت الموازنات السياسية تحول دون قيامه بها بنفسه. والنظرة العابرة للمذكرات تكشف عن ان عثمان كان مدللا في عهد عبدالناصر الذي كان يحترم فيه اتقانه لعمله, وامانته في ادائه, فلم يرفض له طلبا, وترك له حرية واسعة في العمل, واذن له ــ بعد تأميم شركته ــ ان ينشىء شركة خاصة باسمه تعمل في البلاد العربية, وان الشيء الوحيد الذي كان يأخذه عليه هو انه لم يلتق به مرة واحدة, ولم يستشره في شيء, ولم يقرب اليه كما فعل السادات! وكانت الازمة السياسية التي ترتبت على نشر المذكرات, وادت الى خصام بين الرجلين, هي آخر المآزق التي نتجت عن هذا الاندماج بين الرئيس والمقاول, ولم تحل القطيعة بين السادات وبين تنفيذ نصائح عثمان السياسية, الذي تعود انه يقول له كلما تطرق الحديث الى المعارضين, سواء كانوا افرادا ام احزابا ام دولا: اضربهم كلهم ياريس... فاتخذ اجراءات سبتمبر الشهيرة, ولم يطق السادات صبرا على فراق عثمان, فارسل اليه, يطلب منه الاستعداد لمصاحبته الى وادي الراحة في سيناء في اعقاب العرض العسكري في 6 اكتوبر 1981 وذهب السادات الى العرض, ولم يعد, كان قد ضرب الجميع فضربه بعضهم بالرصاص! فلماذا ينسى الناس القول المأثور: كل ميسر لما خلق له؟!