ليست القضية هي (الإعلان) عن الدولة, وإنما القضية هي (إقامة) هذه الدولة على أسس حقيقية وموضوعية وفرضها على العالم أجمع. وهو أمر لا تنفع فيه النوايا الطيبة وحدها, ولا الشعارات البراقة, ولا المناورات الصغيرة. كما أنه أمر لا يتم بالتسول السياسي مثلما لايتم بالمغامرات الطائشة . وإنما تتحقق الدولة حين تصبح كل الأسلحة موجهة للهدف الصحيح, وحين يتم تجنيد الشعب كله لهذا الغرض, وحين تلتزم القيادة بأهداف النضال القومي, وحين تستخدم كل الأوراق ببراعة, وحين يتم بناء القوة القادرة على انتزاع الحقوق المشروعة وتحرير الأرض المغتصبة, وحين تفرض هذه القوة كلمتها في ساحة النضال, وتتم ترجمة ذلك إلى واقع سياسي واجب الاحترام من الجميع. ووسط كل (الهوجة) التي صاحبت (إخراج) القرار المتخذ سلفاً بتأجيل الإعلان عن الدولة الفلسطينية في الموعد المستحق (4 مايو) بناءً على رغبة الجماهير (غير الفلسطينية طبعا) ومع كل الجدل المثار حول الإعلان أو عدمه, تبرز حقيقتان أساسيتان: * أنه لا يوجد شعب في العالم يستحق دولته مثلما يستحقها شعبنا العربي في فلسطين المحتلة والمغتصبة, سواء بحقه التاريخي, أو بتضحياته الهائلة, أو بنضاله العظيم.. ولكن ذلك كله لن يترجم الى واقع إلا إذا امتلك القوة القادرة على ترجمة ذلك الى واقع. والقوة هنا بمعناها الشامل لكل المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية. والعسكرية قبل ذلك وبعده. * والحقيقة الثانية أن الدولة الفلسطينية ــ بكل التعقيدات السياسية والتاريخية والدينية المصاحبة لها, (ــ) لن تجىء بقرار (يتبرع) به العالم ممثلا في هذه القوة العظمى أو تلك, وإنما هو (واقع) يتم إقراره وحق يتم انتزاعه.. وتلك مهمة الشعب العربي في فلسطين وفي العالم العربي كله. وبعيدا عن ضجيج 4 مايو, فإن الحديث كان ينبغي أن يتركز على القضية الأساسية وهي: عن أي دولة نتحدث؟ * هل هي الدولة التي يحلم بها الفلسطينيون, والتي إن لم تكن تحقيقا للهدف الشرعي بتحرير كامل ارضهم فهي ــ على الأقل ــ خطوة على الطريق.. أم هي (الدولة) التي يخطط لها الاسرائيليون ــ ومن وراءهم ــ والتي تمثل الحل الأمثل لمشكلة اسرائىل وتحفظ لها نقاءها العرقي المزعوم, وتخلصها من (السكان) العرب, وتحفظ لها الأرض التي كانت عربية؟! * هل هي الدولة التي تملك المقومات الحقيقية لأي دولة طبيعية, أم هي مجرد تجمع لبعض الجزر العربية المعزولة, والتي تكون في النهاية عامل طرد لمن تبقى من الفلسطينيين فوق ارضهم, بدلا من ان تكون عامل (التئام) لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج؟ * هل هي الدولة التي تكون رأس رمح في الصراع المستمر مع الكيان الصهيوني حتى تتم تصفيته ككيان عنصري دخيل, أم هي الدولة التي تريدها اسرائىل (جسراً) لها الى العالم العربي, تتغلب به على حائط الرفض العربي لها, وتتسلل من خلاله, لتسيطر بالاقتصاد على المنطقة, كما بشرنا رسول السلام الاسرائىلي صاحب نوبل للسلام وقائد مذبحة قانا (!!) السيد بيريز وهو يتحدث عن تعاون (العقل الاسرائىلي مع اليد العاملة العربية والمال العربي. اي عن سرقة الثروة العربية لكي تسيطر به اسرائىل على السوق العربية وتشرف على تشغيل الأيدي العاملة العربية, وهو التطور الذي هلل له البعض دون أن يدركوا مغزاه العنصري من ناحية, والاستغلالي من ناحية أخرى, ودون ان يفهموا ان معناه الحقيقي هو الحكم بالاعدام على كل ماهو عربي, والاقرار بالفشل من كل الانظمة العربية؟! يتجاهل الكثيرون في الحوار الدائر الآن, ان الدولة الفلسطينية تم اعلانها بالفعل في عام 1988, وأن معظم دول العالم قد اعلنت تأييدها لهذا الإعلان, وأن الأمم المتحدة منحت هذه (الدولة الفلسطينية) الكثير من مقومات الشرعية, في الوقت الذي قررت فيه أن (الصهيونية) هي نوع من العنصرية التي يجب مقاومتها بكل الوسائل! وأتذكر هنا حوارا مع قيادة فلسطينية بعد قرار (إعلان الدولة) يومها سألته: لماذا القرار الذي أثار الخلاف يومها بين الفصائل الفلسطينية والذي اعتبرته بعضها خطوة في طريق الاعتراف بالدولة الأخرى.. أي اسرائىل؟ وشرح الرجل بأمانة ما كان وراء القرار الذي كان يعارضه شخصيا, ولكنه وافق في النهاية لأن القرار سيسعد الشعب العربي في فلسطين, وهو في ظروف يحتاج فيها الى هذا الفرح!! المهم أن القرار قد صدر, وخاضت الدول العربية معركة دبلوماسية كبيرة لحشد التأييد الدولي للقرار, وكانت النتيجة تأييدا عالميا كاسحا تؤيده مقاومة مسلحة تفرض وجودها على الجميع, ثم انتفاضة شعبية فرضت الاحترام على العالم كله, وفضحت كل ادعاءات اسرائىل, وجعلتها تقف عارية متلبسة بسرقة وطن وتشريد شعب, وكانت مدافع الجنود الاسرائيليين الموجهة ضد اطفال الحجارة هي الصورة التي أفاق الرأي العام العالمي عليها ليكتشف حجم الزيف والخداع الذي تعرض له من جانب اسرائيل وامريكا والقوى اليهودية التي تسيطر على الاعلام العالمي. صدر القرار, وفرحت الجماهير المتعبة, واعترفت معظم دول العالم, وغضبت اسرائيل, وامتعضت امريكا, وكان ذلك كله يعني ان فصلا جديدا من النضال الشاق على كل الجبهات قد بدأ, فتحويل القرار الى واقع لا يأتي بالعلم والنشيد, وإنما بمحاصرة العدو وتشديد الضربات عليه, وحشد قوى الشعب ليتحول (الفرح) المعنوي باعلان الدولة الى عيد حقيقي باقامتها. لكن ما حدث كان غير ذلك, وبدون الدخول في تفاصيل, كانت النتيجة ان القيادة الفلسطينية تركت كل ذلك وراءها وذهبت الى (أوسلو) لتبدأ من نقطة الصفر, وخرجت من (أوسلو) بهذا الاتفاق الكسيح الذي تنازلت فيه عن معظم الاوراق التي تملكها, وتركت كل القضايا الأساسية بلا حل.. من المياه الى اللاجئين الى القدس الى الدولة نفسها. وعندما عارضنا الاتفاق كنا نواجه بمنطق ذي شقين: فمن ناحية أبرزوا لنا حكاية (القرار الفلسطيني المستقل) وكان هذا القرار يمكن ان يكون على جثة كل الثوابت في النضال الوطني لشعبنا العربي الفلسطيني, أو كأن الطبيعي أن يتصادم مع المصلحة القومية التي تحملت ــ بأقدار متفاوتة ــ مسؤولياتها تجاه القضية التي لو فقدت سندها القومي لانتهت لمصلحة الاعداء منذ زمن طويل. ومن ناحية ثانية كان أصحاب (أوسلو) يصرخون: لقد ضاعت سنوات طويلة بلا نتيجة, فلماذا لا تمنحوننا الفرصة لسنوات قليلة نجرب فيها هذا الطريق, أتركونا خمس سنوات وستكون الفرص قد عادت, والدولة قد قامت, واللاجئون قد عادوا, والقدس قد استردت عروبتها! ولا حاجة بالطبع لنعرف أين نحن من كل ذلك بعد ان انتهت المهلة المطلوبة, ولكن المأساة ان أحدا ــ حتى الآن ــ لا يريد الاعتراف بالخطأ, لكي تبدأ مسيرة التصحيح! رسالة (الضمانات) الامريكية التي أرسلها كلينتون الى عرفات لارجاء اعلان الدولة الفلسطينية قد يكون فيها شيء من النوايا الحسنة, ولكنها لا تحتوي على أية ضمانات حقيقية! ولذلك كان نتانياهو أول المرحبين بها, معلنا ان الرسالة صدرت بالتنسيق مع اسرائيل والتشاور معها, بينما فوجىء العديد من المسؤولين الفلسطينيين بمضمون الرسالة حيث قرأوه في الصحف الاسرائيلية قبل ان يصل اليهم! لقد رفضت أمريكا كل المحاولات لتتضمن الرسالة اقرارا بحق الفلسطينيين في (تقرير المصير) واكتفت بتكرار التعبير الذي استخدمه كلينتون من قبل عند زيارته للمنطقة عن حق الفلسطينيين في تقرير مستقبلهم على أرضهم. أما (الالتزام) الامريكي بانهاء المفاوضات النهائية خلال سنة, فقد سارع نتانياهو بتوضيح (ان الرسالة لم تحدد موعدا نهائيا ولا موعدا ملزما) . ولم يتأخر البيت الابيض عن تأييد ذلك, فأعلن رسميا (ان تحديد المرحلة الانتقالية لا يعني موعدا نهائيا, ولكنه (هدف مقبول ومعقول) !! والحقيقة ان الرسالة تحدثت فقط عن (النية) في استكمال المحادثات حول التسوية النهائية خلال سنة, والأعمال في السياسة لا تؤخذ بــ (النيات) واذا كانت المشكلة الآن ان نتانياهو يرفض تنفيذ ما تعهد به ووقع عليه ووقعت معه الرئاسة الامريكية, فكيف سيكون الوضع اذا تعلق بــ (النوايا الطيبة) وليس (التعهدات الملزمة) , وكيف سيكون الوضع والمفاوضات تتناول القضايا الهامة من المياه الى القدس الى الدولة؟ وهل يختلف الوضع اذا كان المفاوض هو باراك أو نتانياهو أو حتى عزمي بشارة؟! ان المأساة الحقيقية كانت نهج أوسلو نفسه الذي قام على تقديم التنازلات المجانية من جانب القيادة الفلسطينية, والذي اسقط كل أوراق الضغط من ايدي هذه القيادة ليصبح الأمر كله مرهونا بالارادة الاسرائيلية والوعود أو النوايا الأمريكية التي لم يتحقق منها شيء حتى الآن! ليست القضية ان يكون باراك أو نتانياهو في السلطة, فلا فرق حقيقياً بينهما فيما يتعلق بالقضايا الأساسية في الصراع العربي الاسرائيلي, وليست القضية في وعود دولية لن تتحقق الا اذا فرضناها نحن على أرض الواقع, وإنما القضية هي استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية وتحديد الأولويات وبناء الموقف الموحد وتحديد الاهداف التي لا يجوز التنازل عنها, وبناء (المؤسسات) القادرة على تحقيق هذه الاهداف, واسقاط النهج الفردي في ادارة الصراع والذي أدى الى كوارث هائلة. المطلوب ان نستعيد البوصلة الحقيقية القادرة على توجيه النضال الوطني في المرحلة الصعبة المقبلة, بعد ان أضعنا البوصلة حين سلمنا الأوراق لواشنطن متصورين ان الحل قد أصبح على الابواب, ووضعنا السلاح قبل الأوان, وأصبح النضال الوطني ارهابا, والحل المنفرد هو الحكمة, والفساد الداخلي هو الادارة القادرة على صنع واحة جديدة للديمقراطية. وأظن ان الرابع من مايو كان يجب ان يكون فرصة للمراجعة الشاملة, ووضع الاساس الجديد للوحدة الوطنية القادرة على قيادة النضال الفلسطيني في المرحلة الصعبة المقبلة, واعادة التوازن المفقود في الحركة بعد أوسلو, ليدرك الجميع ان الواقعية لا تعني التسليم بما يريده (الآخر) , وان التنازلات المجانية لا تبني حلا, وان السلام العادل لا يتحقق باهدار الشرعية الدولية, ولا انكار الحقوق الوطنية, وان (النوايا) الطيبة لا تكفي لفتح أبواب الجنة, بل لعلها احيانا تكون أقصر الطرق الى النار!