في حديقة منزلخ بمدينة أم درمان كان الصادق المهدي يلخص لضيوفه مغزى التجربة: تجربة ممارسة المعارضة من خارج البلاد . كان ذلك في عام 1985 والبلاد تنعم بالفترة الانتقالية في أعقاب سقوط نظام الرئيس نميري, وكان حديثا لا يخلو من مرارة تتخلل مقاطعة عبارة (الالتزام الاضطراري بأجندة القوة الخارجية المضيفة) . وروى الصادق المهدي حكاية ألخصها لكم, كما رواها لي أحد كبار مساعدي الصادق ممن شهدوا الواقعة المتعلقة بالحكاية, الزمان: عام 1976 والمكان: خيمة العقيد القذافي في الصحراء الليبية. تلك كانت السنة التي جرى فيها لاحقا ما أطلق عليه نميري (الغزو الليبي) الذي كان في حقيقته هجوما مسلحا كاسحا قوامه الأساسي كوادر مدربة من شباب طائفة (الأنصار) التابعة للصادق المهدي. ورغم ان عبارة (الغزو الليبي) غير دقيقة إلا أنه لا يصح اسقاطها جملة وتفصيلا. فقد جرى التدريب في معسكرات ليبية تحت اشراف رجال الاستخبارات الخارجية الليبية. وبتمويل ليبي كامل اندفعت القوات المسلحة للمعارضة السودانية آنذاك من أراضي ليبيا عابرة الحدود صوب الخرطوم. وفي الخيمة الصحراوية كان العقيد القذافي يراجع مع الصادق المهدي وكبار مساعديه من ناحية وقادة الاستخبارات الخارجية الليبية من ناحية أخرى اللمسات الأخيرة لخطة الهجوم المرتقب وشيكا. ولدى استكمال المراجعة ابتدر العقيد الزعيم السوداني بسؤال: ما هو برنامجكم في حالة الانتصار؟ وحدثه الصادق عن فترة انتقالية بقيادة حكومة ائتلافية قومية تقوم بالتجهيز لانتخابات عامة تتنافس فيها مختلف الأحزاب. هنا رفع العقيد صوته متسائلا بغير قليل من الغضب: وأين (الكتاب الأخضر) ؟! وإذ اعترف الصادق المهدي لاحقا بأن التساؤل كان مباغتا له الا انه شرح بهدوء للعقيد القذافي اختلاف ظروف التطور السياسي وتاريخ التقاليد السياسية في السودان (مما يتطلب اعتماد التعددية الحزبية) عنها في ليبيا. وبالطبع لم يغفل الصادق المهدي الحد الأدنى من اللباقة المطلوبة في مثل هذه المواقف الحرجة فأثنى على (الكتاب الأخضر) كدليل نظري للشعب الليبي. لكن العقيد ما كان ليقتنع بالاجابة وما رافقها من لباقة. كان ممسكا بقلم يقلبه بين أصابع يده أثناء استماعه للصادق. وما ان انتهى حديث الزعيم السوداني حتى ألقى العقيد بالقلم على الأرض في عصبية غاضبة واندفع مغادرا الخيمة دون حتى عبارة وداع. الصادق المهدي كان يروي الحكاية لضيوفه في حديقة منزله بعد مرور تسع سنوات على الواقعة قاصدا ان تكون موعظة. فقد كان محور حديثه ان للمعارضة من الخارج ثمنا باهظا. فالقائد المعارض في هذه الحالة يضطر الى اعتناق الأجندة السياسية للدولة المضيفة كثمن للاستضافة حتى لو تناقضت مع قناعاته الأساسية وبرامجه. لقد انتهى الهجوم العسكري للمعارضة السودانية المدعوم ليبيا في منتصف السبعينات إلى فشل كامل كما هو معلوم. ولهذا لم تطرأ بطبيعة الحال قضية (الكتاب الأخضر) . ولو انتهى الهجوم الى انتصار مبين لكان ذلك إيذانا ببداية معركة سياسية ضارية بين القائد الليبي وقادة المعارضة السودانية. أجل... كان الصادق المهدي في تلك الليلة قبل 14 عاما يلخص مغزى التجربة كموعظة مذكرا نفسه وغيره ضمنيا بألا تتكرر. ومن القول المأثور: (التجربة التي لا تورث حكمة تكرر نفسها) . هذه القصة خرجت من مخزون ذاكرتي قبل نحو عامين عندما خاطب الصادق المهدي العالم من العاصمة الأريترية أسمرا بعد ان عبر الحدود البرية متسللا من السودان ليبدأ تجربة جديدة من المعارضة الخارجية. كاتب صحفي وسفير سوداني سابق